المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

الصحبي صمارة  Headshot

الانتخابات المحلّية في تونس.. هل يستجيب القانون الانتخابي لمشروع اللامركزية؟

تم النشر: تم التحديث:

يُعرض أمام البرلمان التونسي، خلال شهر يناير/كانون الثاني 2016، مشروع قانون الانتخابات المحليّة بهدف التصويت عليه، ليُصبح الأساس القانوني المعتمد لتنظيم الانتخابات البلدية وانتخابات المجالس المحليّة والجهوية قبل موفّى السنة. وتضمّنت الصيغة الأولى لمشروع القانون الانتخابي المقترح من الحكومة، في إطار عملية تشاور مع مختلف الأطراف المعنية بتنظيم الانتخابات، 124 فصلًا من بينها قرابة 80 فصلًا تمّ نسخها من القانون المنظّم للانتخابات التشريعية والرئاسية. وهي أحكام ذات طابع تنظيمي تستوجب المراجعة في الكثير من النقاط بحسب القراءة التي قدّمتها الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات.

بالاطلاع على تقييم الهيئة لمشروع القانون يتأكّد التطوّر الملحوظ لهذه المؤسسة الدستورية المدنية والمستقلّة التي أوكلت لها مهمّة تنظيم الانتخابات في تونس، والتي باتت على قدر من الخبرة الفنّية في الإدارة والإشراف على وضع آليات اختيار التونسيين لمن يمثّلهم بكلّ حريّة واستقلالية في مختلف المواقع بدءًا بالعضوية في المجلس البلديّ المحلّي وصولًا إلى رئاسة الجمهورية مرورًا بالمجالس الجهوية والبرلمان، ولكن بالإضافة إلى الخبرات الفنّية في إدارة الانتخابات فإنّه من الضروري التنبيه إلى المسائل الجوهريّة للعملية الانتخابية في حدّ ذاتها.

القوانين ترجمة للإرادة الشعبية

بالرّغم من الأهمّية القصوى للقوانين التي تؤسّس للعمليّة الديمقراطية باعتبارها أساسا تنظيميا لترجمة إرادة الشعب، إلاّ إنّه لا قيمة للقوانين إذا كان الهدف منها المناورة والتمويه، وأحيانا الالتفاف على إرادة الشّعب. فـ"للقوانين روح" على حدّ تعبير الفيلسوف الفرنسي شارل مونتسكيو. هذه الرّوح التي تربط بين الإرادة العميقة والعفويّة للشعوب وما تنتجه نخبها من أدوات وقواعد ونُظم وأسس تشريعية لتحقيق هذه الإرادة.

يمكن القول إنّ إرادة الشعوب تعبّر عنها مجموعة من الشعارات التي تُرفع في الثورات والانتفاضات وساعات الرّفض والاحتجاج وهي التعبيرات الأكثر صدقا. لذلك فإنّ عمليّة إنشاء القوانين هي أكثر تعقيدا وأهمّية من عمليّة صياغة مجموعة من القواعد. فهي إمّا أن تكون ترجمة لهذه التعبيرات والاختلاجات، أو أن تلعب دورا صوريًّا في تصريف مؤقّت للغضب وتهرّبًا من التغيير الحقيقي ومراكمة متجدّدة لمخزون من الاحتقان والغضب الانفجاري.

لقد تمّ تداول مشروع قانون الانتخابات المحلّية، المقترح من الحكومة، في بعض وسائل الإعلام وتمّ نقاشه من طرف هيئة الانتخابات وتقديم اقتراحات حول الكثير من فصوله مع المطالبة بربطه بقانون جامع للانتخابات الرئاسية والبرلمانية والمحلّية. كما تمّ تسليط قراءات على هذا المشروع القانوني من طرف عدد من الجمعيات الناشطة، ومن المنتظر أن لا تتمّ المصادقة عليه إلا بعد نقاش مستفيض صُلب البرلمان التونسي. ولكن وبالرّغم من ذلك تتجلّى أوجه قصور عديدة في التعاطي مع عمليّة تنظيم السّلطة المحلّية في تونس.

الطابع المصيري للانتخابات المحلّية في تثبيت الديمقراطية

يكتسي قانون الانتخابات المحلّية صبغة مصيريّة في تونس لعدّة أسباب، أوّلها أنّه يأتي لاستكمال بناء أوّل نموذج ديمقراطي عربي. وثانيًا لأنّه يمثّل أوّل درس في "ديمقراطية الشارع" إن صحّ التعبير، حيث يتمّ من خلاله التدرّب على إدارة الشأن المحلّي بطريقة ديمقراطية وتربية المواطن على سلوك جديد حين اختياره لمن يمثّله لتحمّل مسؤولية صلب أكثر مؤسسات الدولة قُربًا منه وهي الدائرة البلدية الممثّلة للُحكم المحلّي. أمّا ثالث هذه الأسباب فيتمثّل في أنّ بناء الديمقراطية المحلّية يجب أن يتمّ وفقا لقيم الديمقراطية التشاركية بما تشمله من ضرورة توفّر مبادئ التعاون والانسجام والتنافس الحرّ والنزيه والاختيار الإرادي الطوعي وعلى أساس الكفاءة والمصداقية لمجموعة من المواطنين (أعضاء المجلس البلدي) لتمثيل وخدمة باقي مواطني المنطقة.

من البديهي أنّ الأحزاب تلعب دورا محوريًّا في تشكيل المشهد السياسي وفي توجيه الرأي العام ولكنّ صياغة القوانين الانتخابية للسلطة المحلّية لا يجب أن تعتمد منطقا على مقاس تمثيليّة الأحزاب. فالديمقراطية التمثيلية التي ترتكز على التعدّدية الحزبيّة تقلّل من حظوظ الجماعات المحلّية غير الحزبية في لعب دور في إدارة شؤون منطقتهم. كما أنّ القانون الانتخابي نفسه في صيغته القائمة لا يسمح للأحزاب الصغيرة بلعب دور تسييري في الشؤون المحلّية.

في حقيقة الأمر إنّ الانتخابات المحلّية ليست تنافسا حول سلطة بل هي تنافس حول مسؤولية، بمعنى أنّها بعيدة عن هواجس المنفعة الماديّة من الأجور والامتيازات والمعنوية على غرار الشهرة والنفوذ، ذلك أنّ الترشّح للمجالس المحلّية يعني الترشّح لتحمّل مسؤولية البحث المُضني عن حلول لمشاكل المنطقة التي يعيش فيها المترشّح نفسه بالتشارك مع من رشّحه ومن لم يرشّحه أيضا، لا على أساس الولاءات الإيديولوجية والحزبية. ولعلّ هاجس سيطرة الأحزاب على السلطات المحلّية هو إمكانية ارتهان آلية هذه السلطة تحت وطأة التنافس والتنازع الحزبي بما يجعل التنمية ومشاكل النّاس ضحيّة للمماحكة السياسية صلب المجلس المحلّي.

يفترض، ونحن نتعاطى مع معنى الانتخابات المحلّية، ألا نتكلّم عن برنامج انتخابي سياسي حزبيّ، بل عن برنامج يطرح تصورّات وحلولاً وبدائل للأوضاع الصعبة والمشاكل التي تشكو منها المنطقة التي يتمّ الترشّح فيها. ومن المحبّذ أن يتضمّن برنامج الترشّح أفكارًا مفصّلة يقع نقاشها قبل وأثناء الحملة الانتخابية مع المواطنين بشكل مباشر. كما يفترض أن يتضمّن برنامج الترشّح اقتراحات حول طرق إنتاج الثروات، محلّيا، وسُبل توزيعها والاستثمار فيها وفقا لمصلحة المنطقة أو الدائرة البلديّة وبحسب احتياجات أبنائها.

اللامركزيّة والمسألة الديمقراطية

الديمقراطيّة مجرّد آلية حُكم لا توفّر -في جانبها التقني والحزبي- حلولًا للمجتمعات باعتبارها قد تؤدّي أحيانا إلى مقايضة خاسرة يحصل بموجبها المواطن على حرّية الاقتراع مقابل منح ثقته لمن يحكمه عن بُعد دون أن يشاركه هو في الحُكم. وفي كثير من الحالات تحوّل الاستعمال البراغماتي للديمقراطية من طرف القوى السياسية التقليدية إلى صناعة متقنة لديكتاتورية ناعمة أدّت في بعض الحالات إلى اهتزاز ثقة المجتمعات في العمليّة الديمقراطية بأكملها.

يتسرّب خلط بين مفهومي النظام المركزي والسّلطة المركزية. فالسلطة المركزية تتولّى الحكم وفقًا لتوجّهات عامّة للدولة بحسب ما يضبطه الدستور وتمليه القوانين مع الالتزام بأن تكون عمليّة التسيير موكولة إلى نسيج وطني شامل من السلطات المحلّية والجهويّة لها صلاحيات التقرير والتنفيذ.

إذ من الصّعب على الأنظمة السياسية المركزيّة إدارة الحكم إلاّ في صيغة استبدادية. فكلّ نظام مركزيّ إملائي لا يشارك فيه المواطنون، أيًّا كانت وسائل حكمه، هو استبداديّ بالضرورة. هذا ما دفع الفكر السياسي المعاصر إلى ابتكار نماذج الحكم اللاّمركزي، مع التنويه بوجود أساس هذه النماذج في الأدبيات السياسية اليونانية القديمة، لذلك فإنّ الحديث عن نظام مركزيّ ديمقراطي هو نوع من المغالطة. فالنّظام اللامركزيّ شرط رئيسي من شروط الديمقراطية، التي لا تقف عند حدود الاقتراع الحرّ وحرّية الرأي والتعبير والمساواة بين الجنسين والرقابة على السلطة، بل تطال منظومات التنمية والعدالة الاجتماعية والخدمات والاستثمار والبنية التحتية والحقّ في بيئة نظيفة وحقوق الأجيال القادمة من الثروات.

تضطلع السلطة المركزية بوظائف إدارية بالاشتراك مع السلطات المحلّية لتتشكّل بذلك مؤسسة "النّظام"، فالهيئات المحلّية المنتخبة هي المؤسسات التي تعكس سلطة المواطنين ومباشرتهم لتسيير شؤونهم في دائرتهم. وتبعًا لهذا الدور فإنّ عملية توزيع الثروة وفقًا لمصالح المجموعة المحلّية من المواطنين هي مسؤولية موكولة للسلطات المحلّية. ذلك أنّ السلطة المحلّية بوصفها تمثيلا لحكم المواطنين تعبّر عن مشاركتهم في إدارة شؤونهم وإدارة شؤون الدائرة المحليّة وإدارة جزئية لشؤون الدولة (في الجزء الرّاجع إليهم بالنظر).

على هذا الأساس تكتسي العملية التنموية -باعتبارها محور التصرّف في الثروة- صبغة أساسية في تعريف السلطة إذا كانت مركزيّة أو لا مركزيّة، ديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالتصرّف في الثروة محلّيا يجب أن يوكل ضرورة إلى سلطات محلّية منتخبة ومنه إلى سلطات جهوية منتخبة.

لا مركزيّة التصرّف في الثروة

تعني لا مركزيّة التصرّف في الثروة تنفيذ نماذج اقتصادية تسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، ويعتبر فقهاء القانون الديمقراطي أنّ السلطة المحلّية المنتخبة هي أساس اللاّمركزيّة وفضاء المشاركة المواطنية في إدارة الشأن العام. هذا ما يؤكّد أنّ النظام الديمقراطي هو شبكة التفاعل بين السلطة المركزية والسلطات الجهوية والمحلّية التي تباشر مهمّة خدمة المواطنين على أساس العدالة الاجتماعية.

النموذج المفترض لسلطة محلّية تحظى بالاستقلالية يستوجب تمتّع المجالس المحلّية بصلاحيّات تخوّل لها المشاركة في وضع منوال تنمويّ محلّي. تعمل هذه السلطة على تنفيذ المنوال التنموي بالاعتماد على الموارد التي توفّرها السلطة المركزية من المالية العمومية، إضافة إلى ما تستطيع توفيره من مواردها المحلّية، عبر عائدات أنشطتها وخدماتها المباشرة للمواطنين ومن خلال تدخّلها في تنفيذ خارطة استثمار محلّية تستجيب للخصائص الطبيعية والجغرافية والثروات المتوفّرة في منطقتها.

هذا النموذج يستوجب أيضا العمل على تطوير القوانين بما يسمح للجهات، ممثّلة في سلطاتها المحلّية المنتخبة، الحصول على نسبة من عائدات الثروات الطبيعية والمنجميّة المتوفّرة في منطقتها على غرار الثروات المنجمية والنفطية وحقول الملح والحلفاء والحبوب والحليب والثروة النباتية والحيوانية والعلف.

يجدر التصريح في هذا السياق بأنّ هذه الفرضية صعبة التحقّق في ظلّ غياب إرادة سياسية جماعية لإرساء نموذج اقتصادي مبني على التمييز الإيجابي بين الجهات، فضلا عن تطوير منهجيّة الإنتاج ووسائله لذلك فإنّه لا بدّ من الإشارة إلى أنّ المرحلة التي تعيشها تونس على مستوى الانتقال الديمقراطي لا تزال في بداياتها.

على امتداد عقود ما يعرف بالدولة الوطنيّة (منذ الاستقلال) أدّت عملية تحريف وتزوير مفهوم السلطة المحلّية إلى تحويل المجالس البلدية والجهوية إلى جهاز بيروقراطي يعطل مصالح المواطنين خدمةً للنظام الاستبدادي ولشبكات النّفوذ. فقد عاشت تونس تجربة مريرة خلال عقود الاستبداد أدّت إلى انحراف في القيم المجتمعيّة وإلى تشويه لمشاعر الانتماء الوطني وإلى خلخلة لمعنى المسؤولية وإتلاف للوعي بقيم الحقّ والواجب، بما خلق فئات هجينة داخل المجتمع، البعض منها موسوم بالتطرّف والعنف. وكان من نتائج الاستبداد، مظاهر تحوّلت إلى مخاطر تهدّد الديمقراطية واستقرار الدولة واستمرار الوحدة الوطنية، من خلال استقواء منظومات اقتصادية موازية وغير شرعية تفوق في حجم حضورها وتأثيرها الدولة في حدّ ذاتها بما سهّل انتشارا متسارعا للشبكات الإرهابية التي تتقاطع في الكثير من المصالح مع شبكات التهريب والفساد.

إزاء هذه الوضعية فإنّ بناء سلطة محلّية منتخبة وسليمة، تعبّر حقّا عن تشريك فعليّ للمواطنين وتتحمّل مسؤولية إدارة وتسيير شؤون منظوريها، هي بالأساس عملية تحصين للدّولة من المخاطر القائمة وهي الطريق التي ستدفع بتونس إلى أفق حضاري جديد، حيث سيرتقي شعور المواطنين بالانتماء من مستوى التبعيّة والتواكل إلى مستوى المسؤولية. يظلّ الشرط الفكري والأخلاقي لبلوغ هذا الهدف هو إرساء ميثاق سياسي واجتماعي يعبّر عن تخييل سياسي جديد ويشرع في التأسيس لديمقراطية تشاركية حقيقية جوهرها المواطنة.. مواطنة مستوفية لشروط الكرامة الإنسانية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.