المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سحر مقدم Headshot

بيروت.. تلك الجميلة التي نكره

تم النشر: تم التحديث:

لا أعرف متى تحديداً بدأت نقمتي على بيروت، دعوني أتذكر.. قد تكون بدأت في ذلك اليوم الذي لم أجد به وظيفة دون أي "واسطة"، أو ذلك اليوم عندما كانت ستدهسني وطفلي الصغير دراجة نارية، قرر قائدها أن يقوم بحركات بهلوانية، على رصيف المشاة.

أو ذلك اليوم الذي رأيت فيه شرطيًّا يسخر وأصدقاءه من عاملة إثيوبية لأنها "عاملة إثيوبية". على العموم هناك أسباب عدة تجعل أي شخص عاقل وبحكمة وبأقل درجة من الذكاء أن يكره بيروت.

لكن علاقتي مع بيروت جعلتني أشك بإصابتي باضطراب في الاتجاهين، أي ما يعرف بالإنجليزية bipolar disorder، فإذا أنا فعلاً أكرهها لماذا الآن أشتاق لرائحة بيروت. تلك الرائحة غير المحددة، والتي تمزج ما بين البنزين والغبار والقمامة القديمة ورائحة أزهار ونباتات تطلق أنفاسها الأخيرة.

أليس من المحزن أن يدب في الحنين إلى الوطن كل ما أتنشق تلك الرائحة المزعجة؟

كل مرة أترك فيها بيروت، أقسم ألا أعود أبداً إليها. لكن بيروت.. هي تلك الفتاة التي تغطي جسدها الأوشام والندوب والمدمنة على الكوكايين، لكنها ما زالت جميلة بطريقة غريبة. على سيرة الكوكايين، بيروت هي الكوكايين الذي تنتشي بتعاطيه وأنت عالم أنه يقتلك. لا أعرف لماذا لم يخترعوا بعد مراكز لإعادة تأهيل مدمني "بيروت"؟ أو لماذا لم تصدر كتب معنونة "كيف تتخلص من بيروت؟" على الأقل مقالات: "إليك عشر طرق للتخلص كليًّا من بيروت".

دعوني أفسر لكم أكثر، بيروت هي تلك الشابة "خرابة البيوت" في علاقة حب خارج إطار الزواج التي تفسد كل شيء لكن لها لذتها المدمرة. هي الخائنة المراهقة التي تهجر حبيبها دون أي سبب ويبقى الأخير يحبها بصمت وألم. بيروت هي عاشقة تتمسك بك وكل ما تحاول أن تهرب تهتف بأذنك: ابقَ اليوم فقط!

أحاول أن أفكر بجدية لماذا هذا الإدمان المبالغ به على بيروت؟ تأتي على بالي تلقائيًّا الإعلانات التي تروج عن بيروت بصور من ملاهي السهر. لكن لا.. أكره تلك الإعلانات فلا بد أن يكون هناك شيء نفخر به أكثر من السهر؟

بعد مخاض من التفكير.. اكتشفتُ أن المطر في بيروت فعلاً فريد من نوعه. فبالرغم من الفوضى وأصوات الزمامير وكلمات السائقين النابية التي تنطلق مع سقوط أولى قطرات المطر في بيروت. إلا أن لمطر بيروت طعماً خاصًّا فهو وحده يتسلل إلى دمك ويسكن رذاذه للأبد تحت جلدك.

وأحب أيضاً تلك الكعكة البيروتية الفاسدة التي تباع أمام المستشفى الأميركي في بيروت، والتي على الأغلب تحمل كل أنواع الجراثيم والأمراض القاتلة، لكني فعلاً أستمتع بأكلها وأنا أدردش مع بائع الكعك وأراقب الداخلين والخارجين من المستشفى.

لكن هذه الأسباب ليست مقنعة أبداً لأعود إلى بيروت. سألت بعض أصدقائي الذين هاجروا ولم يعودوا إلى بيروت أبداً كيف نجحوا أن يتخلصوا من "بيروت". أخبروني أن طلبي صعب وحله لأصحاب القلوب القوية فقط. لكن عندما أصررتُ عليهم نصحوني أن أبتعد عن كل ما يذكرني ببيروت، وكلما أتذكر شيئاً أحبه في بيروت أستبدله بسرعة بذكرى سيئة من بيروت.

فقررت: قبل أن أتذكر الكعكة البيروتية أمام المستشفى الأميركي، سأتذكر مئات الأشخاص الذين ماتوا أمام باب المستشفيات لعدم قدرتهم على دفع تكاليفها.

لقول الحق: لم أعد أطيق التفكير في تلك الكعكة.. لكن لا يمر عليّ يوم إلا وأنا أفكر بتلك الخائنة القبيحة الجميلة بيروت، فقدت الأمل، أصابتني بيروت حتماً بمرض انفصام الشخصية. أكرهك يا بيروت. وفي الكره حبٌّ لا يعرفه إلا من عاش في بيروت...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.