المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساجي سنّو  Headshot

وامتنع لبنان!

تم النشر: تم التحديث:

نعم.. لبنان الوطن السيّد الحرّ المستقلّ "فقرة (أ) من مقدّمة الدستور" عربي الهوية والانتماء والعضو المؤسس والعامل في جامعة الدول العربية والملتزم مواثيقها "فقرة (ب) من مقدّمة الدستور".

امتنع عن التصويت على بيان الاجتماع الاستثنائي لمجلس جامعة الدول العربية المنعقد في القاهرة على مستوى وزراء الخارجية بتاريخ 10/01/2016، والذي أدان الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على مقر البعثات الدبلوماسية السعودية والتدخلات الإيرانية في شؤون الدول العربية.

حتّى العراق، الحليف العربي الأبرز لإيران الذي تتمتّع فيه، بين كلّ الدول العربية الأخرى التي تتدخّل بشؤونها، بنفوذها الأكبر، والذي سجّل عدّة ملاحظات حول البيان الختامي، عاد وصوّت لصالح البيان، وذلك كي لا يخرج عن الإجماع العربي.. ولكنّ لبنان فعلها وامتنع.

إنّه لبنان، وما أدراك ما لبنان.. إنّه لبنان الكبير، هذه القوّة الإقليمية التي يُحسَبُ لها ألف حساب، هذه الدولة العظمى التي تتحدّد، بناء على موقفها -أو بالأحرى انعدام موقفها- كلّ التوازنات الإستراتيجية في الشرق الأوسط.. نعم، إنّه ذاك البلد الذي بإمكانه أن يضع رأسه برأس 21 دولة عربية، وأن يميّز نفسه عنها، لا بل أن يهزّ أركان جامعتها.

إنّه لبنان.. يأخذ قراره "بانعدام قراره" ويمضي.. لا يخاف لومة لائم.. لا يكترث لأي ردّة فعل من الدول العربية الأخرى. لِمَ يهتمُّ لرأي الآخرين، ومنهم دولةٌ شاسعة المساحة، عدد سكّانها كبير، مواردها الطبيعية وفيرة، نفطيّة، مصدّرة للبترول، حتّى لو ما زال ذلك منذ سنين عديدة، حسب المفهوم الأرسطي، بالقوّة لا بالفعل؟

لِمَ يهتمَّ واقتصاده، حسب كتب الجغرافيا المعتّقة في المدارس، اقتصاد متنوّع، متين، يحقّق سنويا اكتفاء ذاتيا في جميع المجالات؟ فاقتصاده ليس ريعيًّا، على الإطلاق، ولا يقوم على الاستدانة من الخارج وعلى مساعدات الدول، لا سيّما العربيّة منها، وتحويلات المغتربين المنتشرين في جميع أصقاع العالم، وخصوصا في دول الخليج العربي. لا، نهائيًّا! لِمَ يهتمّ.. في حين أنّ حكومته بقيت مثلا، على مدّة أشهر عديدة، عاجزة عن القيام بأبسط واجباتها في إيجاد حلٍّ لمشكلة النفايات؟

فلتحمد بقيّة الدول العربيّة اللّه أنّ لبنان اكتفى بالامتناع عن التصويت، وأنّه لم يصوّت ضدّ البيان الختامي، وإلّا لكانت انهارت المنظومة العربيّة برمّتها وبالضربة القاضية.
نعم، إنّه بلد الإبداع في الخيارات التكتيكيّة والتفنّن في الاختراعات الإستراتيجية. إنّها سياسة خارجية يشهد لها دهاء مترنيخ، وحنكة تاليران، وواقعية بسمرك. نعم، فلتستفد دوائر القرار ومعاهد السياسة الخارجية في جميع أنحاء الكرة الأرضية، وما بعد بعد الكرة الأرضية، من الدروس المجانية التي يعطيها لبنان، مخترع الحرف، في الحلول الوسطية والتسويات اللفظية.

نعم، فليتعلّم العالم أجمع من لبنان كيف يكون الحياد غير المحايد. فأمام كلّ هذه العظمة، تبقى بعض الأسئلة البسيطة والثانوية جدًّا التي تؤرق المراقبين، والتي يسمحون لأنفسهم "الأمّارة بالسوء" بطرحها، ولو على سبيل الحشرية والمنفعة العلمية.

فهل الامتناع عن التصويت على قرار يدين التدخّل الإيراني السافر في الشؤون العربية يحقّق الحياد الإيجابي للبنان.. في حين أنّ الحكومة اللبنانيّة تغضّ الطرف عن الحدود المشرّعة لميليشيات مذهبية تشارك -بإشراف وتمويل وتدريب وتخطيط إيراني مباشر- في قتال الشعب السوري وحصاره وتجويعه، تحت ذريعة محاربة الإرهاب التكفيري؟
هل يكون "النأي بالنفس"، من قبل لبنان، عن جميع الأطراف في الصراع الإقليمي، أم هو سياسة عوراء تُطبَّق إزاء طرف دون آخر، وخدمة لمصالح إيران وأدواتها حصرا؟

أمّا بالنسبة لوصف "إرهابي" الذي ربط به البيان الختامي حزب اللّه، فهل هو فعلا غير دقيق، أم هو حكر على طرف دون آخر؟ أليس -مثلا- اجتياح بيروت والجبل في 7 مايو/أيّار 2008 عملا إرهابيا؟

أليس الامتناع عن تسليم متّهمين باغتيال رئيس وزراء سابق، والمجاهرة بتقديسهم، عملا ذا طابع إرهابي موجّه ضدّ شرائح واسعة من الشعب اللبناني؟ أليست عراضة القمصان السود إرهابا؟
أليس تعطيل انتخاب رئيس للجمهورية بثقل السلاح عملا ذا طبيعة إرهابية؟ أوليس حصار مضايا، ومن ثمّ نكرانه والشماتة بضحاياه على صفحات التواصل الاجتماعي، مثالا آخر على إرهاب موجّه، هذه المرّة، ضدّ الشعب السوري؟

إنّ موقف الدولة اللبنانية في الامتناع عن التصويت على قرار يدين التدخّل الإيراني المستمرّ منذ أكثر من ثلاثة عقود في شؤون الدول العربيّة، هو موقف غير حكيم، لأنّه موقف يتعارض مع مصلحة لبنان في التحرّر من الهيمنة الإيرانية المتمادية (ومن أي هيمنة أجنبية أخرى)، والمتمثّلة بميليشيات تخرق يوميّا مبدأ حصريّة السلاح بيد الدولة.

هو موقف متهوّر أيضا لأنّه يعزل لبنان عن محيطه العربي، ويضعه على هامش الدول العربيّة التي أجمعت على هذا البيان. فكَم نفتقد اليوم لقامة مثل وزير الخارجية السابق فؤاد بطرس، الذي رحل منذ بضعة أيّام، وهو الذي كان -في أحلك الظروف- دائم التمسّك بحياد لبنان، ولكن تحت مظلّة عربيّة تحميه ولو بالحدّ الأدنى.

رحم اللّه امرأ عرف حدّه فوقف عنده، فبالرغم من خصوصيّته الداخليّة، إلّا أنّ لبنان ليس نقطة الارتكاز التي يدور حولها العالم. فإذا كان يجب على لبنان أن يبتعد عن أيّ تبعيّة، إلّا أنّه في الوقت ذاته لا يمكنه أن يأخذ خياراته بمعزل عن محيطه.

كان الأساتذة يشنّفون آذاننا في دروس الجغرافيا بأنّ لبنان صلة الشرق والغرب. وكانوا يعلّموننا في قواعد اللغة العربية أنّ صلة الموصول لا محلّ لها من الإعراب. فخوفنا اليوم أن يتمّ دمج الدرسين: أي أن يصبح لبنان لا محلّ له من الإعراب لأنّه صلة الموصول.

فأمام واقع عربي مستجدّ، يتمثّل بخيار مواجهة التدخّل الإيراني وزعزعته لاستقرار الدول العربية، بما فيها لبنان، فمن الجليّ أنّه لم يعد هناك مكان للرماديّة. فالتحاذق واللعب على الكلام وعلى الحبال لم يعد يجدي نفعا، والفذلكات اللفظية والديباجات النحوية لا تسمن ولا تغني من جوع بعد اليوم.

أمّا التسويات التسويفيّة على طريقة "مخاتير الزواريب" والتي هي بالأساس سبب مشاكلنا الداخليّة، فلا تصلح أن تكون سياسة خارجية لدولة ذات سيادة، والتي يجب أن تكون من أولى واجباتها حماية شعب ما زال متميّزا، مقداما، مبدعا، محبّا للحياة، بالرغم من أنّه عانى الأمرّين من الاحتلالات والتدخلّات الأجنبية المتعاقبة حتّى يومنا هذا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.