المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساجي سنّو  Headshot

لبنان بين دُوَيلة تُهيمن وحكومة تشهد الزور

تم النشر: تم التحديث:

يذكر اللبنانيون جيداً، كما المهتمون بالشأن اللبناني عامة، الحملة الإعلامية الشعواء التي شنّها حزب اللّه، بقيادة أمينه العام السيد حسن نصر اللّه، على حكومة الرئيس سعد الحريري الأولى ابتداء من صيف 2010، وذلك تحت ذريعة شهود الزور الذين - بحسب الحزب - تسببوا بتضليل التحقيق الدولي في اغتيال رئيس مجلس الوزراء السابق رفيق الحريري.

يذكر الجميع أيضاً كيف توجّت هذه الحملة بإسقاط الحكومة في 12 يناير/كانون الثاني 2011، وذلك بعد استقالة 11 وزيراً من وزراء قوى 8 آذار (أبرز أركانها حزب اللّه) أو المحسوبين عليها، وكيف حصلت هذه الاستقالة في نفس الوقت الذي كان رئيس الحكومة سعد الحريري مجتمعاً في البيت الأبيض مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، وكيف تمّ بذلك التشفّي من الحريري الذي كان لا يزال يقف حجر عثرة أمام مخطّطات السلاح غير الشرعي للهيمنة على مقدرات الدولة.

حوالي ستّ سنوات تفصل بين اتّهام حزب اللّه لقوى 14 آذار بملفّ شهود الزور، وبين تحوّلها عملياً -لا سيما تيار المستقبل والقوات اللبنانية- إلى شريك لهذا الحزب في حكومة تشهد زوراً على هيمنته التي أضحت شبه مطلقة على الدولة وقرارها، وتوفّر غطاء مؤسساتياً لهذه الهيمنة.

ستّ سنوات تعاقبت خلالها ثلاث حكومات، الأولى أقصي من رئاستها الحريري بعد عراضة القمصان السود، أمّا الثانية فشارك فيها تيار المستقبل تحت شعار ربط النزاع مع حزب اللّه وحفاظاً على البلد.

ستّ سنوات من المراوحة أعادت الحريري أخيراً إلى الحكم في 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، إلّا أنّها لم تنتج عملياً إلّا تقهقر سيادة الدولة لصالح دويلة حزب اللّه التي استفادت من مشاركته إلى جانب النظام في الحرب الدائرة في سوريا، ومن تضعضع أحزاب 14 آذار وخلافاتها -لا سيّما حول من ترشّح لرئاسة الجمهورية- كي توسّع هذه الدويلة سطوتها تدريجياً على لبنان.

وما معركة جرود عرسال بين حزب اللّه وجبهة فتح الشام (النصرة سابقاً) إلّا آخر فصول هيمنة هذا الحزب على الدولة، لا سيما على قرار الحرب والسلم في لبنان.

إنّ ضرورة دحر جبهة النصرة من الأراضي اللبنانية، التي كانت احتلّتها على أثر معاركها مع الجيش اللبناني في صيف 2014، لا يحتمل الجدل؛ إذ إنّ ضرورة هذا التحرير واضحة، وجليّة، وتفرض نفسها.

ولكنّ الجيش وحده هو المخوّل بمحاربة الإرهاب على الأراضي اللبنانية وتحريرها، وذلك عملاً بمبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ومن البديهيات أنّ الجيش ليس بحاجة لأي تنظيم مسلّح خارج الشرعية اللبنانية كي ينتقم لشهدائه أو كي يستردّ الأسرى؛ ولا يمكن لدولة لبنانية سيّدة أن تقبل الاحتماء بفصيل ولاؤه الأوّل للولي الفقيه في طهران ولأطماعه التوسعية في الإقليم، أو أن تكتفي هذه الدولة بلعب دور الوسيط بين فصيلَين مسلّحين على أراضيها، حتّى ولو كان أحدهما لبنانياً ومشاركاً في الحكومة.

وبالسياق ذاته، لا تستطيع كلّ بروباغندا حزب اللّه، ومحاولاته استنساخ أدبيات الحشد الشعبي في العراق، لا سيما ادّعاؤه القداسة في محاربة الإرهاب، ولا حتّى حملات الزجل المستفحلة في مديح هذا الحزب على القنوات اللبنانية، أن تغطّي على حقيقة أنّ لا شرعية لما يقوم به؛ إذ إنّ الشرعية للدولة وحدها وللمؤسسات المنبثقة عنها.

المؤسف هو أنّ القوى "السيادية" في الحكومة تستطيب دور المتفرّج، فتكتفي بالتمنيات، أو -على أقصى تقدير- بالبيانات الخطابية المعترضة لفظياً على ما يقوم به حزب اللّه.

إذا كان لا بدّ من مقارنة على هذا الصعيد، فإنّ أداء الحكومة اللبنانية -وخصوصاً أداء رئيسها- يشبه حالياً، إلى حد كبير، أداء الرئيسين أمين الحافظ ونور الدين الأتاسي في سوريا في ستينات القرن الماضي، والذي يمكن اختصاره بكونه واجهة سياسية.

أما الحاكم الفعلي، فيتلظّى خلف هذه الواجهة التي تشكل -من حيث تريد أو لا- غطاء مؤسساتياً وطائفياً فاعلاً لهيمنته التدريجية على مقدرات الدولة.

ويقوم حزب اللّه عملياً بدور "اللجنة العسكرية" التي انبثقت في تلك الحقبة عن القيادة القطرية للبعث، وقد كانت هذه اللجنة عندئذ الحاكم الفعلي لسوريا، بعد أن قامت بانقلاب الثامن من مارس/آذار 1963 الذي أتى بأمين الحافظ رئيساً للجمهورية، وقد بسطت سطوتها تدريجياً على مفاصل الدولة.

في سوريا، انتهى كل من العهدين المذكورين بانقلاب عسكري من الحاكم الفعلي على الحاكم الصوري، وذلك عندما لم يعد الأول بحاجة إلى الثاني، أو عندما حاول الحاكم الصوري (متأخراً) أن يحتجّ وأن يصحّح الخلل الحاصل.

فقد انقلب صلاح جديد على أمين الحافظ سنة 1966؛ قبل أن يقوم حافظ أسد بحركته التصحيحية سنة 1970 على أثر استقالة نور الدين الأتاسي احتجاجاً على بعض الممارسات والتجاوزات. فهل مَن يعتبر في لبنان من التجربة السورية؟

رحم اللّه رئيس الوزراء اللبناني صائب سلام الذي رفض أن يكون شاهد زور على ضعف الدولة، وذلك إبّان اغتيال كوماندوز إسرائيلي لقادة من حركة فتح في شارع فردان في بيروت سنة 1973، فهو - حتّى لو كانت طبيعة الصراع مختلفة في حينه - لم يتمسّك بالكرسي، ولم يتذرّع بواقعيّة سياسية، ولم يقدّم تبريرات أخلاقية لبقائه في الحكم من قبيل "نحن أمّ الصبي" أو "أين كنتم عندما كنّا ندافع عن الدولة ونقدّم التضحيات؟"، بل كان صادقاً مع نفسه ومع ناخبيه، فقدّم استقالة حكومته ومضى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.