المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ساجي سنّو  Headshot

هل أصبحت لبنان ممرّاً لتبييض صفحة اليمين المتطرّف؟

تم النشر: تم التحديث:

إنّها المفاجأة.. مارين لوبان في لبنان.

نعم، رئيسة حزب الجبهة الوطنية، اليميني المتطرّف المعروف بخطابه العنصري، الساعية جاهدةً للحصول على القليل من الهالة الدولية أثناء حملتها للانتخابات الرئاسية الفرنسية المنوي إجراؤها في الربيع القادم، والتي لم يكن قد استقبلها أي رئيس دولة أجنبية قبل زيارتها للبنان، ها هي في بلاد الأرز، وضّاحة الجبهة، منفرجة الأسارير، تتنعّم بحفاوة الاستقبال على الطريقة اللبنانية الأصيلة: ابتسامات عريضة، مصافحات حارّة، تأهيل وتسهيل، كاميرات تصوير، برنامج حافل من اللقاءات مع أركان الدولة، ورؤساء الطوائف الدينية، ورؤساء الأحزاب، وفعاليات شعبية.

يبدو أنّه بعد أن بذل لبنان جهوداً متقدّمة في مكافحة تبييض الأموال الذي عانى منه طويلاً، وقع هذه المرّة -أو على الأقل قسم منه- في خطيئة تبييض صفحة اليمين المتطرّف، تبييض في تبييض.

لا نناقش هنا حرية لوبان في زيارة لبنان، ولا حرية المسؤولين اللبنانيين في استقبالها، ولكن نسأل عن صوابيّة هذا الاستقبال، فهل يدرك المسؤولون اللبنانيون العواقب المترتّبة على هذا الاستقبال في الخارج والداخل؟

لا بدّ من طرح بعض الأسئلة والملاحظات البسيطة التي نسمح لأنفسنا أن نضعها في تصرّفهم، لا سيّما من قِبل مواطن لبناني يقيم في فرنسا.

قبل كلّ شيء، هل يدرك المسؤولون اللبنانيون المعنى السلبي للرسائل الضمنية التي يرسلونها إلى العالم من خلال هذا الاستقبال؟

فأي صورة يريد أن يعطيها المسؤولون اللبنانيون لبلدهم أمام الرأي العامّ الفرنسي؟

صحيح أنّ شعبية لوبان آخذة في التصاعد في فرنسا، لا سيما على أثر الموجة الشعبوية التي تجتاح العالم مع البريكس، ووصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وصحيح أيضاً أنّ استطلاعات الرأي تشير إلى إمكانية تصدّر لوبان أمام باقي المرشّحين في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية الفرنسية، لكن رغم كلّ ذلك، ورغم بعض التعاطف الخبيث الذي تبديه بعض وسائل الإعلام الفرنسية مع حزب الجبهة الوطنية ومع أركانه، فإن لوبان وحزبها يبقيان منبوذين ومنفّرين إلى حدّ كبير بالنسبة إلى الرأي العام الفرنسي.

فاليوم، بسبب الاستقبال الرسمي الذي حظيت به مارين لوبان في لبنان، يشعر الكثير من اللبنانيين المقيمين في فرنسا، أكانوا من الحاصلين على الجنسية الفرنسية أم لا، بالحرج الكبير أمام معارفهم وأصدقائهم الفرنسيين، لا سيّما أمام زملائهم في العمل الذين يبدون دهشتهم الكبيرة وتعجّبهم أمام استقبال لبنان الرسمي لرئيسة حزب يميني متطرّف فرنسي.

ثمّ ألم ينتبه المسؤولون اللبنانيون للتأثيرات السلبية على علاقة لبنان مع الاتحاد الأوروبي التي يمكن أن تنتج عن استقبالهم لمارين لوبان، لا سيّما أنّ لوبان تلحظ في برنامجها الانتخابي خروج فرنسا من الاتحاد الأوروبي في حال وصولها إلى سدّة الرئاسة؟

وكي لا نذهب بعيداً، ماذا عن التأثيرات السلبية لهذا الاستقبال على علاقة لبنان بالبلاد العربية، لا سيما بلدان المغرب العربي، أو البلدان الإفريقية التي كانت تحت الاستعمار الفرنسي؟ ألا يدرك المسؤولون اللبنانيون الحساسية الكبيرة التي تبديها هذه الدول تجاه حزب الجبهة الوطنية، وتجاه خطابه العنصري الذي يمجّد الاستعمار الفرنسي القديم ويدافع عنه، والذي ينكر حصول الفظاعات المرتكبة من قبل هذا الاستعمار في هذه الدول، لا سيّما أثناء حرب التحرير الجزائرية مثلاً، والتي اعتبرها أخيراً المرشّح الرئاسي الفرنسي إيمانويل ماكرون جرائم ضدّ الإنسانية؟ هل يشكّل هذا الاستقبال خطوة في اتجاه التضامن العربي الذي تمّ التشديد عليه أخيراً في خطاب القسم وفي البيان الوزاري؟

أمّا الأهم من حيث السياسة الخارجية، فكيف لدولة رئيس مجلس الوزراء، وهو الذي عانى الأمرّين من النظام السوري، والذي يجاهر عن حقّ بعدائه له، كيف له أن يستقبل لوبان التي تدعم بشّار الأسد، وتدافع عن ارتكابه للمجازر ضدّ شعبه، متذرّعة لهذه الغاية بمعزوفة محاربة الإرهاب وحماية الأقليّات، لا سيّما مسيحيّي المشرق؟

أمّا محليّاً، ألا يكترث المسؤولون اللبنانيون بمصير اللبنانيّين المقيمين في فرنسا في حال وصول لوبان إلى رئاسة الجمهورية؟ ألا يدركون حجم النتائج الكارثية على الاقتصاد اللبناني التي تترتّب على ترحيل القسم الأكبر من هؤلاء المقيمين الشرعيّين إلى لبنان؟ هل يمكن للبنان أن يستوعب أعداد المرحّلين إليه من أبنائه؟ وهل يستطيع أن يتحمّل تفاقماً في معدّلات البطالة المرتفعة جداً، لا سيّما عند الشباب، وعواقب انقطاع التحويلات المصرفية ممّن سيصبحون مغتربين سابقين في فرنسا، لا سيّما أنّ الكثير من العائلات اللبنانية في لبنان تعيش على هذه التحويلات؟

وماذا عن ضرورة التخلّي عن الجنسية اللبنانية من قبل حملة الجنسيتين (اللبنانية والفرنسية في هذه الحالة)، التي تعد به لوبان في برنامجها الانتخابي؟ ألا يشكّل ذلك تهديداً للتوازنات الديموغرافية في لبنان، لا سيّما أنّ أكثرية حملة الجنسيتين اللبنانية والفرنسية، الذين سيتوجّب عليهم التخلّي عن جنسيّتهم اللبنانية، هم من الطائفة المسيحيّة؟ أليس ذلك خطراً كبيراً على تركيبة لبنان، أم لا يكون الخطر الديموغرافي إلّا من اللاجئين السوريين والفلسطينيين؟

وكيف لأركان الدولة اللبنانية، ولرؤساء الطوائف الدينية، ونخّص بالذكر سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية، وهو رجل العلم الوافر والعدل والاعتدال، أن يقبلوا بالأساس استقبال رئيسة حزب يقوم مجمل خطابه على الإسلاموفوبيا، قد اتّخذت من تأجيج الكراهية ضدّ المسلمين، ومن التحريض ضدّهم، ومن تعميم تهمة الإرهاب والتطرّف عليهم، ومن نعتهم بالغزاة المحتلّين، وسيلة لكسب الرزق والشعبيّة؟

هل يمكننا أن نتخيّل أن يتمّ استقبال مارين لوبان من قِبل أحد الممثّلين المعتبرين لمسلمي فرنسا؟ هل يمكننا أن نتصوّر أن يتمّ استقبالها من قِبل عميد مسجد باريس الكبير مثلاً؟ وماذا سوف تكون عندها ردّة فعل الفرنسيين المسلمين (أو حتّى الجالية المسلمة في فرنسا) على استقبال كهذا؟

ألا يستحقّ اللبنانيون المقيمون في فرنسا عامّة، واللبنانيون المسلمون المقيمون فيها خاصة، ألا يستحقّون التفاتة والقليل من الدعم المعنوي من أركان الدولة اللبنانية، ومن سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية على وجه التحديد، لا سّيما أمام الخطاب العنصري الذي يتعرّضون له، مع الكثيرين غيرهم، من لوبان وحزبها؟


وفي جميع الأحوال ألا يشكّل رفضها الدخول إلى دار الفتوى في بيروت، في حين أنّ سماحة المفتي كان بانتظارها، إهانة ليس فقط إلى الطائفة الإسلامية، بل إلى كلّ لبنان؟

إنّ دار الفتوى، هذا الصرح اللبناني العريق، الذي قدّم الشهداء في سبيل سيادة وحرية واستقلال لبنان (كالمفتي حسن خالد والعلّامة صبحي الصالح)، ليست بحاجة لدروس بالاعتدال من أحد، وهي أكبر من أن تستقبل سياسية متعجفرة، لا تحترم البروتوكول والأعراف في بلد أجنبي، وتجهل أبسط قواعد وأصول التعامل الدبلوماسي.

طبعاً، هنالك أسئلة أخرى مهمّة كثيرة، ولكن نكتفي بهذا القدر.

من المؤسف أن نشاهد لبنان، وهو بلد التنوّع الطائفي والعيش المشترك، يصبح مطيّة لأحزاب اليمين المتطرّف الباحثة عن تبييض صفحتها.

لبنان، هذا البلد الذي رزح تحت 15 سنة من النزاعات الطائفية العبثية، والذي ذاق اللوعة من احتلالات متنوّعة، والذي يعرف شعبه جيّداً معنى الحرية وقيمتها الفعلية، لا يمكنه أن يتحوّل إلى جسر عبور لكلّ سياسي متطرّف، معادٍ لمبادئ الانفتاح والتعددية والحرية، يحاول تلميع صورته في الداخل والخارج.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.