المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صفية سري Headshot

اللهم إني ثائر

تم النشر: تم التحديث:

ما بين التهديد بأن نكون سورية أو العراق، وأن نعود لأهداف ثورة 25 يناير2011، يتخبط هذا الشعب داخل هذا الوطن، التي أصبح يؤلم كل من ينتمي إليه، ثورة 25 يناير 2011 التي لم نحقق منها غير هدفين فقط ضمن كثير من الأهداف.. واحد من هذين الهدفين كان سبباً في الآخر. الهدف الأول هو إثبات أننا قوة واحدة وأننا قادرون على التجمع والاتفاق وتجاوز الخلافات والانتماءات السياسية مقابل أن نعيش في وطن نجد فيه العيش والحرية والعدالة.

الهدف الثاني الذي وصلنا له بفضل تحقيق الأول، إجبار مبارك وعائلته على التنحي عن تمثيل الشعب، وإبعادهم وقطع الطريق عليهم في أحلامهم لتحقيق التوريث.. في حين أننا الآن بقينا على قارعة من طريق التاريخ لا نستطيع أن نعود به، حتى لبداية الشرارة وهي الدعوة للاتفاق.

كلما دعا البعض للعودة من جديد لأصول ثورة 25 يناير 2011 التي لم تكتمل.. وجدنا من يكوّنون جبهة لإحباطها، ولن أقول أخطاء، بل سأقول إنها ارتقت من البعض لتصل لحد الإجرام في حقها، أعلم جيداً أن هذا الكلام لم ولن يرُق للبعض أو يتقبله، ولكن دعوني هنا أضعكم في بعضها.

- عندما تنحى مبارك في 11 من فبراير2011، وتولى المجلس العسكري إدارة الدولة المصرية، تسارعنا للهتاف أننا أسقطتنا النظام، وبعد فترة اكتشفنا أننا أخطئنا لتركنا الميدان قبل أن نحقق باقي أهدافنا، وأننا استبدلنا حكماً ديكتاتورياً بحكم عسكري لا يفهم غير لغة الدفاع، وبالطبع هنا لا أقصد الدفاع عن مصالح الشعب والوطن وإنما مصالح من يتولون القيادة في المنظومة العسكرية حتى أكون أكثر دقة، وبدأ النظام العسكري يتحسس رقبته بعد إطلاق دعوات لإنهاء حكم المجلس العسكري والتسريع بالانتخابات، وسوف أتجاوز دخول الفريق أحمد شفيق هذه الانتخابات الذي كان في وزيراً للطيران أيام مبارك، وسأتجاوز أيضاً وصوله للنهائيات في تلك الانتخابات وخسارته وذهابه للإمارات وحالياً يشغل منصب مستشار سياسي للشيخ خليفة بن زايد حاكم دولة الإمارات العربية.

وسأتجاوز أيضاً تخلي جماعة الإخوان عن وعودهم بعدم رغبتهم في خوض الانتخابات التي رشحوا فيها الدكتور محمد مرسي (فكّ الله أسره وأسر كل المعتقلين) والذي وصل لرئاسة مصر بعد ذلك ولم تكد تكتمل السنة حتى انقلب عليه وزير دفاعه الذي عيّنه.

- سأقف عند الحالة الثورية التي كانت تحكم الشباب الذين آمنوا بثورة 25 يناير 2011، في الوقت الذي كنا نتحمل اتهامات بالتخوين والعمالة كنا مُصرّيين على الوصول (للعيش والحرية والعدالة الاجتماعية).. ومؤمنين بأننا طالما نقف في صف هذا الشعب الذي تحمّل الكثير من أجل أن يعيش فقط، كنا مؤمنين بأنه شعب يستحق الحرية التي أصبح أغلب من جمعنا بهم الميدان خلف القضبان، وبسبب غياب (العدالة) أصبحت لا تملك شيئاً سوى الحروف التي تكونها.

فما جمعنا في وقتها وجعلنا نتجاوز أي خلاف، بل وصل الحال فينا في ذلك الوقت لإنكار الذات ورفضنا الحديث بانتماءاتنا السياسية أو الحزبية والسعي للوقوف في صف الشعب، لم يعد ذلك موجوداً، أتساءل: لماذا؟!

اليوم نقف أمام مجازر وجرائم واغتصاب واعتقالات بعشرات الآلاف، وتهم ملفقة، واختفاء قسري، وتعذيب، وتصفية جسدية، وأحكام تجاوزت وصفها بالظالمة، وصولاّ لسرقة الشعب باسم حماية الأمن القومي، والفساد الذي خرج عن السيطرة في منظومة تجاوزت كل حدود الإنسانية.. كلها أسباب دامغة تحقق استكمال ثورة 25 يناير 2011.

- كل يوم يمر علينا يجعل الانقلاب يمعن في الظلم أكثر، فهو يعلم أو يظن أن طريق الالتحام من جديد في الميادين بعيد، ولن ينزعه من سدة الحكم.

- لا أحد يمتلك صكوكاً ثورية ليوزعها على مَنْ يرى فيهم الثورة التي توصله لما يريده، وصار البعض أشبه بالإسفنجة المتسخة، لا تقوى على تنظيفها، ولا تستطيع أن توقفها على امتصاص المزيد من القذارة.

- أصبحنا نكتفي بحروب نخوضها افتراضية على وسائل افتراضية أيضاً، نكتب كلمات ونصرح تصريحات، حتى نخفف من وخز ضمائرنا وحتى نجد ما نقيم الحجة به على من ينتقد إخفاقاتنا، مقابل ما يحدث من قمع وظلم.

- نسمع فقط المزيد من ردود الأفعال، ولا نجد أفعالاً، فالانقلاب يعلم جيداً أنه صاحب الفعل الآن.. وقد استفاد من الدرس القاسي في ثورة 25 يناير 2011 عندما كانت فعلاً ورد فعل في نفس الوقت، بل يدرس كل ردود الأفعال المحتملة، حتى تلك التي كانت بعد مجزرة رابعة والنهضة، فقد كان قبلها الكثير من المجازر، فدرس وجرب كل ردود الأفعال، وتأكد من عدم عودة الثوار لميدانهم، وربما أضعنا فرصاً لوضع حدٍّ لكل هذه الدماء قبل أن تصبح تغطي رؤوسنا قبل تلك التي تلطخ أيديهم.

- لا نريد تصريحات من متلونين.. ولا بيانات من محتالين؛ لأن نفوسنا اشمأزت من غبائهم وأرواحنا لم تعد تستأمن ثورة ولا أرضاً ولا وطناً يتحدثون باسمه.. كما لا تريد تكتلات وتجمعات أشبه بتلك الصفحات التي تجمع علامة (like).

وهذه التجمعات والتكتلات لا ترد على الأحداث، بل تنتقي الحدث الذي يخدم ويعيدها الى ساحة الأحداث لتثب حضورها على ساحة الأحداث، فمثلاً تجد بعض هذه الكيانات تصدر بيانات في فضيحة الانتخابات الأخيرة ، في حين تختفي وتلزم السبات حيال كل الأحداث والجرائم التي ترتكب ويتحدث فيها العدو قبل الصديق.

ربما يقول البعض إن هذه هي قدرتهم السياسية، وإمكانياتهم، لكن من رضي أن يمثل ذلك الشعب ويمثل معاناته عليه أن يتحمل المسؤولية كاملة وأن لا يفرق بين الضعفاء؛ لأن التفريق بينهم أسوأ من المساواة بين الضحية والجلاد.

- (ميدان التحرير) من الرموز القليلة التي بقيت من ثورة 25 يناير2011 ومازال ينتظرنا عودتنا، والسؤال هنا: ما الذي ننتظره؟ هل ننتظر مذابح أخرى، أم ننتظر سياسات تفرض علينا كالتي فرضت على الثورات الأخرى، أم نظل نتخبط بكل بلاهة نستجدي العالم بالظلم الواقع علينا؟ حققنا ما حققناه في ثورة 25 يناير 2011 بالإيمان وكانت ثقتنا بالحق لا حدود لها، احترمنا دماء الشهداء كنا ننظر للمستقبل الذي نستحقه في الوطن على أنه مسألة حياة أو موت، اليوم أوجد البعض له وطناً بديلاً، بل ويسعى لأن يمد أمد أي خلاف، وإن لم يجد سعى لإيجاد خلافٍ حتى يبقى في منفاه.

- لن نكون جديرين بالوطن إلا عندما نستحق، وهذا الاستحقاق لن يكون إلا بتحقيق العيش والحرية والعدالة فيما بيننا قبل أن نعود بمطالبنا التي لم نستكملها منذ 25 يناير 2011.. نمسك ألسنتنا وأذيتنا عن بعضنا، ونمنع أنفسنا عن شهوة الوصول لمصالحنا الشخصية، وشهوة السيطرة وإثبات القوة ونتقبل بعضنا بنقده واتجاهه ولنرقى لما يحدث في الوطن..

وأذكر نفسي وإياكم بأخلاق الثوار ومواقف الثوار وضمائر الثوار.. ولننوي الصيام على اتهام بعضنا وتخوين بعضنا، ولننوي الصيام عن المزايدة فيما بيننا، ولا تضيّقوا الحرية التي اتسعت لنا يوماً، ولا تحجروا وتصادروا ولا تبعدوا عنا حلم نجاح الثورة الذي كدنا أن نعانقه ويحتضننا يوماً، ولم يكن بيننا وبين تحقيقه غير أن نستمر في ثقتنا ببعضنا، وأن نبقى على قلب رجل واحد. فـ(اللهم إني ثائر).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.