المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صفية سري Headshot

متى نتمنى الموت !

تم النشر: تم التحديث:

بداية هذه المدونة عليك أن تقرأها للنهاية.. والهدف منها أن تعيش على قدر ما تستطيع.. بقوة وصبر وصدق سعادة.

لا أقصد إخافتك عزيزي القارئ.. لكن في الأيام القليلة الماضية فقدت العديد من الأصدقاء، ما بين مريض مرضاً عضالاً، وبين حادث سيارة، وأزمة قلبية، أو جلطة، ونزيف في الدماغ. وبعضهم ودّعته على أمل اللقاء لكنه مات غرقاً، ومنهم من مات في السجن، ومنهم من كان يغطي في مهمة صحفية على إحدى الجبهات.

كل من أحكي لكم عنهم في عمري أو ربما أصغر مني.. وكلهم قطعوا شوطاً كبيراً في التعليم.. وفي المناصب على المستوى العملي والعلمي .

صديقة لي كانت في طريقها هي وعريسها لقاعة الزفاف، وفي طريق تعرضت سيارتهم لحادث.. لست حزينة بقدر ما كنت أعلم عنها وعن عريسها حبهم لفعل الخير.. فهم ضمن بعض الشباب الذين أقاموا مشروعاً لتنمية العشوائيات. كلاهما اختار الآخر لأنه وثق بأنه لن يوقف هذا الخير. وبالمناسبة هي مهندسة اتصالات، وهو معيد في كلية الصيدلة .

أحد الأصدقاء أخبرني بأن هناك زوجة أحد رفاقنا ستكون موجودة في تركيا، لأستقبلها، لتقابل زوجها الطبيب الذي كان يعمل في الولايات المتحدة، ولكنه التحق بأحد المستشفيات الميدانية في أحد المخيمات السورية على الحدود، قابلتها بالفعل، وسألتها ما الذي دفع زوجك لترك الولايات المتحدة ليقف على خط النار؟! أخبرتني بأننا نعيش مرة واحدة، لنعشها بكرامتنا ومبادئنا.. وذكرت لي أنه في الحرب العالمية الثانية الكثير من الأطباء الفرنسيين والبريطانيين التحقوا بالجبهات لتقديم المساعدة، والكثير من الفتيات أخذن يتدربن على التمريض للمساعدة في المشافي الميدانية.

عند وصولها أخبرها زوجها بأنه داخل سوريا لمحاولة إخراج بعض الحالات الحرجة عبر الحدود التركية.. وسيكون موجوداً بعد 5 أيام. رددت تدعو له أن يحميه الله ويحفظه ويتقبل منه.. علمنا بعد ذلك أن المشفى الميداني في الغوطة الذي كان يحاول إخراج الجرحى منه قد تعرض للقصف واستشهد زوجها. عادت الزوجة إلى الولايات المتحدة وأخبرتني بأنها ستربي أولادها على أن يعيشوا حياتهم ليموتوا بشرف كوالدهم .

"يزن" خريج اقتصاد وعلوم سياسية، انتهى جواز سفره، يريد استكمال دراسته.. قابل عائلة مكونة من أم وثلاث بنات مات زوجها في المعتقل في سوريا، تريد الهجرة الى أوروبا.. أخبرهم بأنه سيرافقهم في رحلتهم وسيقوم بكل أمورهم دون مقابل لأنه يرغب في استكمال دراسته.. وبالفعل عبر بالأم وبناتها وساعدهم في كل مراحل الطريق خاصة أن إحدى بنات تلك الأم صغيرة حملها طيلة الطريق.. ووصلوا الى السويد.. وقدموا أوراقهم وطلبوا اللجوء.. وبعد شهر من وصوله سقط مغشياً عليه بسبب جلطة في القلب وفارق الحياة .

"هشام" أخ لإحدى صديقاتي كان قد بقي على زفافه شهر قبل أن يفارق الحياة بسبب نزيف في الدماغ.. عرفنا بعد موته كمّ الخير الذي كان يعمله.. بعد وفاته بُني له مسجد في إفريقيا وحفرت له الآبار.. وأقيمت صلوات الغائب على جنازته.. في أكثر من 9 دول.. وحتى اليوم الكل يشهد على حسن خلقه وخيره.. عُرف بالخير الذي كان يعمله.. أو كان سبباً فيه بعد موته.. لعل ذلك يكون سلوى لصديقتي ووالديها، وكل أحبابه.

"نوران" صديقة ورفيقة مقاعد الدراسة لأختي، هي أيضاً طبيبة.. كانت تُعرف بحبها للمساعدة وبابتسامتها ورقي أخلاقها.. سقطت مغشياً عليها يوم زفافها بنزيف في الدماغ، ولم يستطع الأطباء إنقاذها.. ماتت بفستان زفافها.. تأثر الجميع بموتها، ولكنهم كانوا يتذكرون روحها وجمال ابتسامتها.

"براء" صحفي معروف بقلمه الصادق وأسلوبه في إظهار الحقيقة، مات بجلطة في الرئة، ليس مهماً الآن ما تركه من كتابات ومقالات ستدرس فيما بعد.. وموقفه الذي دائماً ما تبنى المظلومين وأصحاب الحقوق الضائعة، مات وهو يظهر ما يحاول الكاذبون إخفاءه وتدليسه على المتلقي.. كان دوماً يحترم قراءه ومتابعيه.. ولا يبخل بنصائحه على كل من يحتاجها.. لم يبع قلمه يوماً.. ولا عقله لأحد من أولئك العابثين بمقدرات الشعوب.

"صالح" أحد الصحفيين في وكالة أخبار دولية، قضى وهو يغطي نزوح الأهالي ومعاناتهم في إحدى المدن السورية للريف.. ودفنه الأهالي وهم في طريقهم للنزوح لإحدى القرى.

كل واحدة من هذه القصص كفيله بأن تجعلنا نعيد حساباتنا مع هذه الحياة..
كيف يموت الظالم والقاتل والسارق والكاذب والمخادع والمستقوي على الضعفاء.. بل كيف سيموت كل من يدافع عن كل هؤلاء؟
كل واحدة من هذه القصص تجعلنا نتمنى لحظة نهاية تليق بحياة نعيشها مرة واحدة.. أعلم جيدا أنهم في مكان أفضل. ولكني أتأمل كيف ينظرون إلينا في العالم الآخر.. لو نطقوا لأخبرونا الكثير.. ولحذرونا مما نفعله ببعضنا.

عزيزي القارئ ما دفعني لكتابة هذه الكلمات هو النتيجة التي توصلت لها بعد عبارة من أحدهم: كم هم محظوظون من ماتوا قبل أن يروا ما نرى اليوم.. ليتنا نموت ..

هناك نهايات نتمنى أن تكون من نصيبنا وفي نفس الوقت أصحابها يتمنون الآن لو كانوا يستطيعون تقديم المزيد من الخير والصدق والحقيقة لهذا العالم .

سؤال متى نتمنى الموت؟ يلحّ علينا في ظل ما يحاك حولنا وكيف نواجهها.. تلك المصاعب.. وتجعل الأمام أكثر سواداً من الخلف .

برأيي نتمنى الموت عندما لا نجد لنا دوراً في الحياة .

نتمنى الموت حينما نرى المظلومين والمقهورين ولا نستطيع أن نفعل ولا نقول عنهم شيئا .

نتمنى الموت عندما يغزونا اليأس وتتعاظم الخيبات في كل ما حولنا.

نتمنى الموت عندما نفقد من كان يؤمن بنا.. ويغيب عنا من وعدنا ذات يوم أنه لن يرحل.

نتمنى الموت عندما نعجز عن المقاومة وتخبو قوتنا في مواجهة المزيد من الانكسارات .

نتمنى الموت عندما تتبعثر وتخيب آمالنا.. ولا يوجد ما نقدمه لمن حولنا.

نتمنى الموت عندما تصبح الكلمات عقيمة والأرواح خبيثة تبحث عنها كل منها عن الأذى.

نتمنى الموت عندما نرى من يتلذذ بآلام الآخرين ويتراقص فوقها.

نتمنى الموت عندما ترى جنازة لشهيد يهتف فيها المشيعون وتعلو تكبيراتهم وتحدثك نفسك أن طريق الشهادة وسبيل الوصول لمراتبهم بعيد .

ونتمنى الموت عندما نلعب "لعبة السعادة".. نعم "لعبة السعادة" هي ما توصلت له لنتمنى الموت بضمير مرتاح ونفس راضية، والتي سأخبرك بها وبقواعدها عزيزي القارئ في التدوينة القادمة إن كان في العمر بقية.. ألقاك في "لعبة السعادة".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.