المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صفية سري Headshot

الورد إللي اتقطف من جناين مصر

تم النشر: تم التحديث:

حاول فتح عينيه ليغالب إعياءه ..وفي قرارة نفسه لا يريد النهوض .. لايعلم كم الساعة الآن ؟ ..لا يدري هل هو الصباح ام المساء ؟..كل ما يدركه الظلام الحالك وخليط الروائح التي تجتمع من عرق المقهورين ودخان السجان ..جسمه أصبح كما إناء الفخار المشروخ نحيل متهالك..يرتدي بدله حمراء كما يسمونها .. كل ما يعلمه هنا أنه ينتظر لحظة التفاف حبل المشنقة حول رقبته التي تحوي حنجرة لطالما هتفت في وجه الظلم ...اه ..الظلم هذه الكلمة التي بسببها هو هنا الآن. .عاد بذاكرته .. عندما وقعت عينه على أو إعلان ل 25يناير .. وكيف بدأ التجمع في الميادين .. حاول نقاش والدته في ذلك الوقت..

صرخت في وجهه ( مالناش دعوة يا عبدالرحمن ..خلينا في حالنا ..البلد دي حتفضل زي ما هي ..وكان غيرك أشطر) ..لم يحاول مناقشتها مجدداً ..وتابع ما حدث في اليوم الأول والثاني والثالث عبر ما يبثه الإعلام ولكن سنواته 15 تحمل جزءاً لا باس به من الفطرة التي لم تتلوث بعد ... بحث عن أبرز مكان للتجمع ..لم يجد غير ميدان التحرير ..وإن كانت رجلاه قد حملتاه إلى هناك بالفعل دون الرجوع إلى تفكيره ..فقلبه وضميره اعتصرا من كثرة الظلم ..بدأت الهتافات وزادت الأعداد ..وبدأ الشباب في وضع خطط للتنظيم ولجان للحماية ..

لم يكن أحد في الميدان يملك وسلية للدفاع غير قلبه المعلق بنصر الله ..وزادت الحشود وتخطت المليون ..وبدأت تذاع البيانات ..وفرض حظر التجوال ..وتطورت الهتافات حتى وصلت ( الشعب يريد اسقاط النظام ) ..تلقى مكالمة من أمه .. ( انتا فين يا ابني ..انا في التحرير يا ماما ربنا ينصركم ويحميكم يا ابني . .خلي بالك من نفسك يا عبد الرحمن ) أصيب بالذهول للحظة ..ولكنه ذهول المنتشي فرحاً.. علم حينها أن أمه قد أدركت أن ابنها صار رجلاً يتحمل نتيجة أفعاله ..عاد لهتافته.. حاولت قوات الأمن اقتحام ميدان التحرير أكثر من مرة ..ولكن هذه المرة اقتحموه بالجمال وبعض الأحصنة ..كان أمراً مثيراً للضحك ..ولكنه أثار البكاء والقهر أكثر بعد سقوط الشهداء واعتقال بعض الثوار كان عبدالرحمن من بينهم .. وزاد الإصرار على التشبث بالميدان ..وزاد الهتاف إرحل ..إرحل لم نكن ..نعلم يومها أننا نقوم بثورة ..لم يكن هناك أحد من شباب الثورة يبحث عن منصب أو قيادة ..

لم نرى طيلة 18 يوماً شعاراً لحزب أو اتجاه أو طائفة، الكل تجرد من أي فكر أو عنصرية يحملها ..كان مينا يصب الماء لأحمد ليتوضأ ..وكانت ماري تمسك حقيبة فاطمة حتى تنهي صلاتها ..نقتسم الخبز والماء ووسائلنا البدائية لمواجهة الغاز.. التي كان يصنعها لنا فريق صيادلة ..وكنا جميعاً مسلمين وأقباط نؤمّن على أي دعاء ...كما كنا نغني أيضاً معا...وجاء خطاب التنحي ..وأخذنا نكبر يومها ونهتف بالنصر .. ولم تهتز ثقتنا في قيادة جيشنا للحظة في ذلك الوقت .. ولم نكن نعلم حينها أننا نسلمه أرواح ورقاب أحبتنا .. ومنهم انا ..كنت أنا أول تلك الرقاب .. قطع ذكرياته.. اقتحام لزنزانته بدؤوا في تقييد يديه النحيلتين و جر جسمه المتهالك ..حاول أن يسترق النظر ويرسل لرفاقه بالزنازين ابتسامة تودعهم وتواسيهم في الوقت ذاته..أو بالأحرى في الوقت المتبقي لهم . .وصاح بهم وهو .. في طريقه الذي بدأ يتأكد أنه طريق النهاية..(ما تتأخروش ..حستناكم عند باب الجنة ) ..

فتحوا بوابة حديدية..وتمت تغطية رأسه وسمع صوت رفاقه يعلوا بالتكبير ..بدأ يدعوا لأمه وأبيه بالصبر ..وأخذ يردد الشهادتين لم يلق لعنفهم ودفعهم به للموت بالا ..إنه مطمئن للقاء ربه.... رفعوه على منصة .. شعر بحبل المشنقة يلتف ويطبق على رقبته ...صرخ فيهم أحدهم ( اتشاهد ياد ).. رفع عينه مرحباً بالموت...بدأت الأرض الخشيبية تنشطر من تحت قدميه .. ويتدلى جسمه وتتقطع حنجرته التي طالما هتف بها ضد الظلم ...وتعلن نهاية عبدالرحمن ..في ظنهم.... نهاية له في عالم لم يعد فيه مكان للورد ... ولكنها بداية له ..في العالم الآخر..حيث ينصب ميزان العدل بدلاً من ذلك المحفور خلف قاضي الظلم ...في العالم الآخر ..سيفعل كما فعل كل الذين سبقوه من المظلومين والمقهورين والمغلوبين على هذه الأرض .. سيخبر الله عن كل شيء