المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صفية سري Headshot

نزهة شوق مفتوحة

تم النشر: تم التحديث:

.. شوقها لهم أصبح يرافقها مثل روح كبيرة معلقة بين السماء والأرض .. تكاد تقسم أن صورتهم واضحة في السماء في السحب و الغيوم المثقلة .. وأن أهل الأرض يرونهم مثلها ...أصبحت جميع الوجوه مثل تماثيل الخشب التي تحمل صورتهم في ذاك المعبد المحبوس في الذاكرة ..حتى في قهوتها تراهم يحتكرون رائحتها والمذاق ..

هل يجب أن تبقى في هذه المدينة لأجل طقوس الرحيل ..حبست نفسها في غرفة ..

فتوقيعهم مازال مرتبكاً فوق صدرها .. وعلى دقات قلوبهم نامت أحلامها يوماً..ودقات الذاكرة قاسية جداً..

ذلك الشوق أصبح( كل شيء) بالنسبة لها ...تستطيع تسكت عنه ولا تتكلم به..تفكر فيه ولا تغفو .. و تركض به ولا تتعب ..هي تستطيع أن تكتب أوراق ذكرياتها دون تواريخ ...فالتواقيت ثابتة ...والتفاصيل الصغيرة حاسمة مثل الكبيرة ..كل شيء لعب دوره بحذق كبير ..واستطاع أن يبعثرها تماماً..

لقد صح حدسها عندما شعرت أن مكوثها مدةً أطول سيجعلها تدفع ثمناً صعباً من ذاكرة حياتها ..وكانت تعرف أيضاً أن هذا الثمن المؤجل ربما يفيض قدرتها على الدفع ..أو قدرتها على الدمع .. هي أصبحت مدينة بمزيد من الهموم لا علاقة لها بها و لا قدرة لها عليها.. عندما تركوها في منتصف الطريق ...

كانت صندوقاً مليئاً بالتفاصيل لم تكن تجروء حتى على مناقشتها مع نفسها ..أصبحت أيامها خشبية الشكل ..جافة وخالية ..

هكذا هي منذ وصلت المطار ..بعد مسافة من العيش في ثقب وهمي لم تفهمه ..منذ أصبحت تقضي أياماً من طقوس الحزن ..برغم أنها ليست حزينة ..!!

تعرف أنها خالفت كل الأنظمة التي كانت تسير فيها ..وعكست حتى تيار دمها...وتنفسها ....تلك المعادلات الشعورية..استسلمت ورفضت حلها....أصبحت كالهاربة من تعب عابر في بقعة من الزمن ..وساكنة كجثة في إناء من الفورمالين لا تتحرك ولا تخرج ولا تمارس أي فعل... لأن أي نشاط هو خرق هائل لقداسة الشوق والحنين لهم... الذي يقترب ليصل لعمق عظامها .. رضيت بالهرب منهم رغم قربهم ..فلابد و إن ابتعدوا ... أن تقدس حضورهم في غيابهم و للأبد ..

فشيء ما..كان يبقيها ساهرة"..منتظراً لتحية الصباح منهم ..لتبقى ساهرة" أيضاً في المساء حتى يعودوا..

شيءٌ ما ..يدفعها للتظاهر أنها بخير ..في حين أن عمقها يصرخ انه بحاجة إليهم شيءٌ ما .. يجعلها تكتب لأن صوتها يرتجف عند حديثها معهم او عنهم ..

شيء ما ..جعل مشاعرها تجري بما لا يشتيهه عقلها ... فيعيد تفاصيل اللحظات الجميلة عندما يرحل أصحابها. .
شيءٌ ما ..تتمنى قدومه .. ولكنه ليس غائباً فتنظره ولا هو معها فتلقاه..فهو كل شيء وسيبقى ..!!!

لم تكن تعلم أن كل هذا الشوق سيصبح رفقها في نزهة لا تعلم متى تنتهي.. ففي الغربة لا تتستطيع أن تحدد موعد عوتك ولا ميعاد رحيلك .. ولا تعقد صفقات مع لقاءات جديدة .

فعلاقتها بالإشتياق كانت لأناس رحلوا عن هذا العالم وكانت تعالجه بالدعاء لهم ..وتصبر نفسها بأن الموت سنة الحياة ... ولكنها اكتشفت مع الوقت أن الإشتياق لا يقتصر على الأموات ..بل هو في بعض الأوقات أقل درجات الإشتياق ..هناك للأحياء أيضاً إشتياق ولكنه مخيف يجعل قلبك "يختنق" ..و لا تستطيع الصراخ...

لست بخير ..حدثت نفسها ..لكنها .فعلت كل ما " يوحي " بـأنها بــ حال جيدة اليوم ..

أتقنت الدور.. ومثلت ببراعة ضحكت و ملأ صوتها السماء
يارب .. وحدك سمعت صوت صراخها .. وحدك من يسمع صوت أنين قلبها ..صوت وجــعــها يملأ الــكــــون ..تسمع صوت نحيبها.. تراها يا رب و هي تضع وجهها في الوسادة من الـــ ألم ..تشعر بقلبها ينتفض ... وجعا..

ففي لحظة ما يصل الحمل على أكتافها لمنتهاه ..ﻻ هي قادرة على دفعه .. ومعترفة بضلالها ..و ﻻ هي قادرة على التمتمة بدعاء .. ولكن قلبها لا يكف عن الإبتهال والإستغفار .

عن لحظة ما تجد ربنا بيسخرلك (وﻻد الحلال ) في نفس الوقت الذي تسمع فيه أهوال (ولاد الحرام) ..و عنهم ..عندما تجدهم وسط كل هذا.. وعينها تصافح عين أحدهم فجأة .. تجدها انهارت ضعفاً ... يارب الكل يسمع صوتها وأنت وحدك تسمع صوت قلبها..اللهم إن كان هذا الشوق خيرا فقربهم منها.. وأن كان هذا الشوق و قربهم شرا.. فبقدرتك اجعلهم خيرا لها .. ولا تحرمها من نزهة الشوق معهم...

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.