المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صفية العلوي المحمدي  Headshot

الحرب على الإرهاب.. أية مقاربة؟

تم النشر: تم التحديث:

مشاعر متناثرة تلك التي انتابتني وأنا أتابع الهجمات الدموية التي وقع عليها الإرهاب مجدداً باسم تنظيم الدولة الإسلامية، مخلفة مئات الضحايا الأبرياء الذين لا ذنب لهم إلا أن قدرهم شاء أن يكونوا في المكان والزمان الخاطئين.

مشاعر متناثرة يمتزج فيها الأسى بالخوف، الأسى من النفس التي استبيح قتلها والدم الذي أجيز سفكه في موت صارخ لكل قيمة من قيم الإنسانية، كل ذلك باسم الإله، باسم الدين، باسم الإسلام الذي هو من هذه الأعمال براء، أما الخوف فهو من مستقبل قاتم تعلو أفقه سحابات العنف والموت وتكدر أجواءه بصمات الإرهاب العابر للقارات، الذي لم تعد جرائمه تنحصر في قطر معين بل ما فتئت تزداد اتساعاً وأصبحت تتمرد وتكسر حدود الدول غير عابئة في هجماتها بوطن أو بدين أو بهوية.

نعم، مدانة هي الاعتداءات التي تعرضت لها لبنان وفرنسا ومالي بنفس قوة رفض وإدانة قتل أي مدني في مختلف أنحاء العالم، في سوريا والعراق وفلسطين وبورما، حيث يلقى الأبرياء فيها حتفهم يوميا إما بسبب هجمات الجيش السوري أو بسبب غارات حليفه الروسي التي عملت على تشتيت وتهجير ملايين السوريين من أوطانهم هربا من الموت والظلم ـ إلا أنه أبى إلا أن يكون لهم بالمرصاد في حلهم وترحالهم ـ حتى ولو كان ذلك بقذف أنفسهم في غياهب المجهول وفي أحضان أوروبا الموصدة، أو في فلسطين حيث يتعرض أهل غزة باستمرار لاعتداءات الكيان الصهيوني الغاشم تحت مرأى ومسمع المجتمع الدولي، دون أن ننسى الاضطهاد والتهجير القسري والإبادات الجماعية بالحرق وبالتقتيل التي طالت مسلمي الروهينغا في بورما.

مدانة كل هذه الاعتداءات بدون استثناء، لأنها انتهكت الحق في الحياة واغتصبت الحق في الفرح وأحلت محلهما العنف والموت والرعب، لذلك يكون التنديد بها أقل ما يمكن عمله لإعلاء صوت الإنسانية الذي بدأ يخفت في الآونة الأخيرة، ومن باب أولى إعلاؤه من طرف مسلم يحثه دينه على تغيير المنكر ولو بلسانه أو بقلبه كمدخل من مداخل الإيمان.

لكن التساؤلات التي حيرتني وأنا أراقب هذا الواقع الأليم، ألم تساهم فرنسا ومعها الدول الكبرى من أمريكا وبريطانيا وروسيا في نشأة ما يسمى تنظيم "داعش" وتقويته وتحويل مخططه من حلم إلى واقع، إن بتدخل أمريكا في العراق منذ سنين مضت، أو بدعم روسيا لجيش الأسد في الوقت الحاضر، أو حتى بسكوت الغرب عن مختلف الإبادات والمجازر المرتكبة هناك؟

ألم تكن على علم بأن تدخلها في الشؤون الداخلية للدول ودعمها للأنظمة الديكتاتورية سيؤدي حتما إلى ميلاد هذه الحركات المتطرفة، أم أن دفاعها عن مصالحها المادية الذاتية واستغلالها لثروات الدول الطبيعية أعماها عن إدراك هذه الحقيقة الجلية؟ ألم تفطن إلى أن كل عنف يولد عنفا مضادا وأن التحالف الدولي بنظرته المجزأة للإرهاب وجعله مقتصراً على تنظيم "داعش" دون نظام الأسد وبالتالي تجزئته للحلول الممكنة بحصرها في الشق العسكري دون الشق الفكري، لن يؤدي إلا إلى زيادة النعرات الطائفية حدة، بل وكيف يمكن أن نشن حرباً على الإرهاب، كما صرح بذلك المفكر هوارد زين، فيما الحرب هي بحد ذاتها إرهاب عندما تطال قنابلها المدنيين الأبرياء؟

إن تغيير معطيات الواقع إذن بإيقاف دعم الدول الغربية للأنظمة القمعية الديكتاتورية، وتدقيقها لوصف الإرهاب بعدم إلصاقه بجماعة معينة فقط وإنما باعتماده كنتيجة لتوفر شروط محددة، وبالتالي إمكانية إطلاقه كوصف على الدول أو حتى على الأفراد الذين يعمدون إلى العنف والتقتيل والترويع بغية تحقيق أهداف لا تجيزها القوانين المحلية ولا الدولية، دون أن ننسى ضرورة تفادي إلصاق هذا الوصف بديانة من الديانات السماوية سواء بالإسلام أو بالمسيحية أو باليهودية.

فالإرهاب لا دين له ولا وطن ولا هوية، لتكون بالتالي نظرة الدول الكبرى للحلول الممكنة نظرة شمولية، لا تقتصر على الجانب العسكري فقط وإنما تتجاوزه إلى الجوانب الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، وبالتالي فإن تبني الدول الكبرى لهذه التعديلات وغيرها هو الكفيل بالقضاء على الإرهاب وإلا فليس لنا إلا أن نتوقع يد الإرهاب تبطش من جديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.