المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد علام  Headshot

السيسي يواجه "تقليد يوليو المقدس"

تم النشر: تم التحديث:

في بلد لا يحكم فيه القانون
يمضي فيه الناس إلى السجن بمحض الصدفة
لا يوجد مستقبل
في بلد يتمدد في جثته الفقر
كما يتمدد ثعبان في الرمل
لا يوجد مستقبل
في بلد تتعرى فيه المرأة كي تأكل
لا يوجد مستقبل
"ليلى والمجنون"
صلاح عبد الصبور


"تقليد يوليو المقدس"، هو "القانون" الأكثر صرامة ووضوحاً في مسيرة سلطة يوليو/تموز، والمستمر منذ 52، والملزم بأن إنجاز أي رئيس لأي مهام تاريخية، مرحلية، لا يمثل حصانة للرئيس في مواجهة قرار التغيير، المطلوب في لحظة تاريخية معينة، لضمان استمرار سلطة يوليو، وهو "التقليد" الذي يستمد "قداسته" من كونه لم يستثنِ من رؤساء يوليو أحداً.

في خطابه يوم 25/9 في افتتاح مشروع غيط العنب بالإسكندرية، قال الرئيس السيسي إن "الجيش جاهز للانتشار خلال ست ساعات فقط في مصر كلها"، وأضاف إذا حدث في مصر ما يحدث في بعض الدول الأخرى من اضطراب وزعزعة للثقة "لا هتنفع لا لينا ولا لحد تاني.. محدش يفتكر إننا هنسيبها ونسمح إنها تضيع منا ونضيّع الناس".

لماذا هذا التصريح الآن؟!

"النوبة دي بجد.. مش هنسيبها لحد"!، هذا الشعار الذي ردده المتظاهرون في ميدان التحرير في 25 يناير/كانون الثاني 2011، والذي أصبح لسان حال سلطة يوليو منذ الانقلاب الناعم "انقلاب القصر" في 11 فبراير/شباط 2011، أصبح هذا الشعار بعد هذا التصريح للرئيس السيسي، يعد استخداماً جديداً، لنفس الشعار، ولكن هذه المرة ليس في مواجهة مع قوى معارضة سياسية أو ثورية، تحاول قيادة أي احتجاجات شعبية واسعة مرتقبة فقط، وإنما أيضاً، وهذا هو الجديد في هذا التصريح، أنه استخدام لهذا الشعار في مواجهة فريق آخر من سلطة يوليو نفسها، ترى ضرورة تفعيل "تقليد يوليو المقدس" الآن، إنه أحدث تعبير عن صراعات القوة في أعلى السلطة؛ ليأتي هذا التصريح للسيسي، في سياق مواجهته للفريق الآخر من السلطة، ولقطع الطريق عليه؛ ليتقدم السيسي في هذه المواجهة المفتوحة خطوة للأمام، باستنفاره للفريق الحاكم ولقواه الحليفة، وليحل التصريح محل التلميح، ليعلنها بلا مواربة، بالتصريح الصادم: إن مصر في هذه الحالة ".. لا هتنفع، لا لينا، ولا لحد تاني"، في استخدام جديد وجريء لنفس الشعار: "النوبة دي بجد.. مش هنسيبها لحد"!.


هل أطلق "اتحاد ملاك مصر" إشارة التغيير؟!

بعد أن أنجز أول رئيس للجمهورية "محمد نجيب" مهمة مرور الانقلاب في يوليو 52، ومده بمدد من شعبيته كقائد عسكري محبوب، داخل الجيش وخارجه، تم التخلص منه، وليس من المنطقي في شيء، القول بأنه تم التخلص منه في عام 54 عندما أعلن عن رغبته في عودة الضباط إلى ثكناتهم، وتسليم السلطة للمدنيين، فالمنطقي، بل ومن المؤكد، أنهم كانوا يعلمون موقفه هذا قبل ذلك بكثير، من خلال علاقة امتدت من قبل عام 52 وحتى عام 54، -إننا نتحدث هنا عن التوقيت- إنما كان التخلص منه تحديداً، لانتهاء دوره المنوط به أدائه، باستخدامه كضمانة لنجاح الانقلاب والتمهيد بشعبيته، لتحوله إلى ثورة يؤيدها الجيش والشعب، وهو نفس الدور، في نفس الفترة، التي استخدمت فيها جماعة الإخوان المسلمين من أجل الحصول على الشعبية لتحويل الانقلاب إلى ثورة، ثم الانقلاب على الجماعة، وبذا يبدأ مع محمد نجيب، أول رئيس للجمهورية، أول تطبيق لـ"تقليد يوليو المقدس"، الذي سيثبت "قداسته" مع كل الرؤساء اللاحقين بلا استثناء واحد.

حتى إن "تقليد يوليو المقدس" طُبق على من أبدعه، طبق على عبد الناصر نفسه! فبعد قبوله بمبادرة روجرز وقرار 242 والاعتراف الخجول بإسرائيل، بعد هزيمة 67، تم التخلص منه ليأتي من يحوّل الاعتراف الخجول إلى اعتراف رسمي وعلني، فجاء السادات، الذي كان عبد الناصر قد اختاره نائباً له وهو في كامل وعيه، والذي يعرفه لأكثر من ربع قرن، ويعرف توجهاته جيداً، وهو ما يعني أنه لم ينقلب على توجهاته بعد مماته، وإنما نفذ السادات ما كان لا يستطيع تنفيذه عبد الناصر بنفسه، بعد كل "التراث الناصري" في العداء العلني لإسرائيل، والا لماذا اختار عبد الناصر السادات بالذات؟!، وبالفعل قام السادات بتحويل اعتراف عبد الناصر الخجول بإسرائيل إلى اعتراف علني ورسمي في "كامب ديفيد"، ثم يتم التخلص من السادات، وفقاً لـ"تقليد يوليو المقدس"، في مشهد تلفزيوني دراماتيكي تاريخي نادر؛ ليأتي رئيس جديد، ليزيل الآثار السلبية "الرسمية"، مصرياً وعربياً، الناجمة عن صلح السادات المنفرد مع إسرائيل؛ ليأتي مبارك - الذي كان قد اختاره السادات، أيضاً وهو في كامل وعيه - ليتم مبارك المهمة "الرسمية" بالفعل.

إلا أن مبارك ارتكب الخطأ "القاتل"، عندما خلط بين "عائلة مبارك" و"عائلة يوليو"، فأراد توريث سلطة "عائلة يوليو" للابن المدني لـ"عائلة مبارك"، ومعه رجال أعماله وداخليته! وهو ما أدى إلى التخلص من "مبارك الاب/الابن"، بالانقلاب الناعم "انقلاب القصر" في 11 فبراير/شباط 2011، في تطبيق جديد ومبتكر لـ"تقليد يوليو المقدس"، في سياق عملية الالتفاف "الثلاثي" على "25 يناير"، التي اتسمت بالدهاء الشديد لسلطة يوليو العتيقة.

ومن المدهش أن جماعة الإخوان ما زالت تعتقد أن سلطة يوليو، التي لم تقبل بأن يقوم مبارك، ابن المؤسسة العسكرية، ورئيسهم لمدة ثلاثين عاماً، بتسليم سلطة حكم مصر لابنه المدني -وبالطبع عن طريق انتخابات- ما زالت الجماعة تعتقد أن سلطة يوليو يمكن أن تقوم بتسليمهم سلطة حكم مصر، تلك السلطة المتشبثة بها منذ 52، لمجرد أنهم جاءوا بانتخابات "تأليف وإخراج" سلطة يوليو ذاتها، وهي في حالة اضطرار تحت ضغط 25 يناير، تلك الانتخابات التي لم تكن سوى خارطة طريق للالتفاف على 25 يناير، باستخدام "السلاح الثلاثي" - التمويه - الخداع - التضليل - وإجهاض إمكانية استكمال 25 يناير لثورة شعبية، تشكل السلطة، أو تشارك في تشكيلها على الأقل، وبعد أن تم استنفاد الاستخدام السياسي لدور "مرسي/الجماعة"، بعام واحد بائس من الحكم، كان بمثابة "لوحة تنشين" مباحة للجميع، تم تطبيق نفس "تقليد يوليو المقدس" على "مرسي/الجماعة" فتم نزحهم.


"ثورة سواريه"، "سابقة التجهيز"، ليست الأفضل، ولكنها الأسرع!

هل سيتم التغيير - حال حدوثه وفقاً لسيناريو يونيو/يوليو 2013؟!، أغلب الظن أن التغيير، حال حدوثه، سيتم وفقاً لسيناريو 11 فبراير 2011 الانقلاب الناعم "انقلاب القصر"، فمن ناحية، الفريق الحاكم حالياً لن يتم إقصاؤه تماماً عن المشهد، كما حدث في يوليو 2013 مع الإخوان، وإنما ستتم صياغة تحالف جديد لسلطة يوليو، يراعي الأوزان النسبية لميزان القوى للفرق المختلفة للسلطة، ومن ناحية أخرى، سيكون هدف التغيير، حال حدوثه، إحداث بعض التغييرات البسيطة، في ظل نفس السياق العام لسياسات سلطة يوليو المستمرة منذ 52، وهي تغييرات لن تمس بأي شكل، الانحيازات الطبَقية والفئوية لسلطة يوليو المستمرة في نسختها الجديدة 11 فبراير 2011، وإنما هي تغييرات هدفها الوحيد هو ضمان استمرار سلطة يوليو، بامتصاص بعض الغضب الشعبي والسياسي، لتجنب 25 يناير أخرى.