المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد أبو معلا  Headshot

لماذا يجب أن يكون «خضر عدنان» شخصية العام؟!

تم النشر: تم التحديث:

قبل سنوات غير كثيرة خرجت علينا مجلة "التايم" الأمريكية بشخصية العام الأكثر تأثيراً وكانت المفارقة لحظتها عندما اختارت المجلة "الفرد" شخصية العام، قصدت وقتها المجلة أن المواطن العادي البسيط أو الفرد هو شخصية العام لكونه قد يكون الأكثر تأثيراً حتى في ظل وجود القادة والزعماء التقليديين.

جاء هذا الاختيار متزامناً مع صعود وتنامي دور الأفراد في التأثير على مجريات الحياة الصعبة التي يعيشونها في ظل ما منحته تكنولوجيا المعلومات الحديثة لهؤلاء الأفراد، حيث ضاعفت من قدراتهم على التأثير والوصول للجماهير العريضة وحصد التأثيرات المطلوبة.

لقد كان هناك ما يبرر هذا الاختيار المخالف لتقاليد المجلات والصحف التي غالباً ما تختار شخصية سياسية أو اقتصادية او ثقافية فنية، وعنى وقتها وحتى اللحظة الانحياز للأفراد في صناعة التغيير.

في السياق الفلسطيني هناك نهج مواز للصحف العالمية تقوم به بعض المواقع الإخبارية لكنه فاقد لكل مصداقية، أسباب ذلك كثيرة لسنا بصدد الحديث عنها، لكن المفارقة هنا أنه لو خرجت صحيفة أو مجلة أو حتى موقع إخباري فلسطيني واختار شخصية الأسير المحرر من سجون الاحتلال الإسرائيلي خضر عدنان 37 عاما (بعد إضرابه الأول؛ استمر 66 يوماً، أو حتى الثاني عن الطعام استمر 56 يوماً) فإنه وبدون منازع، وبجدارة يغبط عليها سيكون الشخصية المجمع عليها والأكثر تأثيراً وإلهاما.

يحدث هذا في السياق الفلسطيني الذي أصبح منذ سنوات فاقداً لأي قدرة حقيقية على تحقيق إجماع سياسي أو وطني، وربما باستثناء الإجماع الذي حصده الفنان الشاب محمد عساف في برنامج "أرب أيدل" لم يظهر في المجتمع الفلسطيني شخصية مجمع عليها تصلح أن تكون نموذجاً أو قدوة في السنوات العشر الأخيرة.

التأمل في تجربة المحرر عدنان فيها الكثير من الإلهام، وكنت قد ناقشت طلبتي لإحدى الصور التي التقطت للشيخ وأطفاله عام 2012 بعد إطلاق سراحه الأول، وقلت حينها لو لم يخرج من هذا الشيخ المناضل المؤمن بحريته سوى هذه الصورة "لكفى ووفى" كما يقال في العامية الفلسطينية، كانت هذه الصورة أيقونة الحرية وهي تصلح أن تكون أسهل رد على ما تفعله "ماكينة" الدعاية الصهيونية التي تتقن شيطنة الفلسطيني وتبدع في زجه في خانة "الإرهابي والخطر على أمن الدولة".

قبل أيام، وتحديداً صبيحة يوم الإفراج عنه جاد بعفوية مفرطة ومترعه بالبراءة والحب بصورة أخرى وهو يحتضن فيها أطفاله الصغار والابتسامات تطفح بالصورة، وهي هنا لا تخفى على أحد، ولا يخطئها إنسان على هذه البسيطة.

غير أن عدنان وفي نضاله السياسي الفردي، ونركز هنا على فرديته، يقدم نموذجا أحسبه ملهماً في لحظتنا الفلسطينية الفارقة، حالة أو نموذج أو فكرة لم يلتقطها الإعلام الفلسطيني العاجز دوماً عن اقتناص اللحظة والتعمق فيها، حسداً وجهلاً وانعدام مهنية يبدو أنها ما تزال بعيدة المنال.

أعتقد ان طريقة نضاله الفردية وهو المحسوب على تيار سياسي (الجهاد الإسلامي) هي ما يستوجب التوقف عندها، ففي الحالة الفلسطينية المثخنة بالتمزق والانقسام والتراجع يبدو أن المواطنين هم شخصيات العام وكل عام، الأفراد هم أساس الفعل البعيد عن كل المرجعيات السياسية التي بدت مهترئة مع كل التحولات التى عاشها العالم ومست القضية الفلسطينية، فهؤلاء الأفراد يمتلكون كل القدرة ليكونوا شخصية العام طالما يحملون شيئاً يدافعون عنه، ويرغبون بالموت في سبيله.

فالموت في فلسطين كثير وكثير جداً، لكن الانتصارات قليلة وقليلة جداً وتحديداً الجماعية الوطنية منها، لكن هذا النوع من الانتصارات الفردية ينقصنا لبناء الصورة الجديدة لفلسطين، وهو ما على الإعلام التقاطه والتأسيس له والبناء عليه، فالأكيد أن ذلك ربما يدخلنا في مرحلة نضالية جديدة تتلاءم مع كل ما يشهده العالم من تغيرات.

لكن المؤكد أن هذا النوع من النضال الفردي يصطدم بالعقلية السائدة الراسخة في المجتمعات العربية والتي تنتظر مخلصاً أو "بطلاً" أو "سوبر مان" ينقذنا ويخلصنا من كامل مشاكلنا، وهو ما يجعل هذا التطور بحاجة لتبشير إعلامي واع ومختلف بمقدار ما هو احتفالي لكنه تبشير يضع الامور في نصابها ويحمل الأفراد مسؤولياتاهم تجاه أنفسهم أولاً وتجاه الوطن السليب ثانياً.