المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد ولفقير Headshot

كل عام وأنتم معطلون

تم النشر: تم التحديث:

لستُ مجرد رقم أو حتى نسبة مئوية تزيد من معدل البطالة في البلد،بل أنا اُعْتَبَرُ في نظر الأب و الأم والأخ والأخت و العائلة و وزارة التشغيل،والحكومة والمجتمع مجرد عالة.

العداد لا يتوقف ،بل تزداد أرقامه سنة بعد سنة،آخر احصائية خرجت إلينا نحن معشر المعطلين ،كانت في بحر هذه الايام من مجلة امريكية اسمها "فورين بوليسي"،اَفرجت عن جحافل من الحقائق الصادمة حول البطالة بالمغرب التي تصل الى 24.6 في المئة في صفوف خريجي الجامعات.

اِسمي "رزق"،اسم على غير مسمى،أليس كذلك ؟ ليس بالدرجة التي تتصورونها،"يا سيدي خليها على الله" هي الجملة اليتيمة المتبقية لديَّ في قاموس الأمل،أرددها دوما حتى هرمت من أجلها،ليس بمقدور مجلة امريكية مثل" فورين بوليسي" ان تفهم المعاني و الماورائيات الميتافيزيقية الكامنة وراء تلك العبارة،انها حتما ثتلج نيران صدري المتوقد.

تمضي السنوات والفصول و الاجيال،وأنا دوما أسأل نفسي مثل المجنون،أسئلة تتكرر ربما لأفهم و استوعب النتائج،لعلي اكتشف منطقا جديدا للأشياء غير المنطق التي درسناه في المدرسة.أسئلة عبثية يصنعها واقع متصابي،يلعب بنا كيفما يشاء،مثل طفلة عنيدة ومتقلبة المزاج.

في عز ما كنت اَستمع واستمتع لأغنية رومانسية وردية،حتى انسى،وأسافر بنفسي نحو سحابة بيضاء بريئة و معزولة،اختلي فيها بمشاعر الحب والهوى لمن أحب ،وجدت نفسي في موال آخر،غارق في يم مظلم ،اِنها تطاردني،حتى في خلوتي الحالمة ،نَفْسي و أسئلتها الغبية والمكررة وجدالها اللامنتهي،المونولوغ ابتدأ،وحان الوقت للإجابة...

ماذا عن الشواهد الجامعية ، هل حصلت على شهادة الاجازة (الباكالوريوس)؟

نعم عزيزي،لقد نلت شهادة الاجازة بميزة حسن،ولدي الكثير لأقدمه في تخصصي الجامعي.

لكنك تحتاج لإجازة مهنية،شهادتك تلك لا تساوي شيئا في سوق الشغل..

آه..نسيت لم اخبرك،انا حاصل على شهادة الاجازة المهنية ولدي الكثير لأقدمه لسوق اشغل.

لكن إجازتين لا تكفيان للحصول على منصب عمل، سوق الشغل يحتاج بالاضافة الى ما سلفنا ذكره الى شهادة الماستر (الماجيستير) حتى تنال فرصتك الصعبة .

لدي شهادتين في الماستر واحدة مهنية،وأخرى أكاديمية.ولدي الكثير لأقدمه في سبيل هذه الجامعة وسوق الشغل.

أنت ينقصك شيء واحد..الدكتوراه،عليك بهذه الشهادة حتى ترتقي بمستواك المادي و الاجتماعي .

ياسيدي أنا دكتور،و لدي الكثير لأقدمه في سبيل العلم والمعرفة،والأم والأب والأخ والأخت والعائلة،وكل من يعتبرني عالة على المجتمع.

الشواهد الجامعية يابني لم تعد تساير التطورات التي يسجلها سوق العمل ، كما تعرف الشركات و المقاولات تؤمن بلغة الارقام،الربح والمال، يعني هل تستطيع مثلا بدبلوماتك تلك التي حصلت عليها في الجامعة حتى ولو كانت مهنية اَنْ تمنح لك الكفاءة العملية و المهنية لتحقق للشركات اهدافها و ارباحها المرجوة؟ طبعا لا.لذلك اِنسى مادرسته في المدرجات من نظريات،وانصحك بدبلوم تقني متخصص،لا تحتقره، صحيح أنه يعتبر اقل شأنا من الماستر والدكتوراه،لكن على الاقل تكتسب من خلاله معارف و مهارات تقنية تؤهلك لوظيفة تسترك من غدر الزمان.مارأيك؟؟؟

لا تقلق..أنا كذلك حاصل و حامل لدبلوم تقني متخصص في تسيير وتدبير و اِدارة أعمال كل المقاولات،ولدي الكثير لأقدمه لهذه الشركات خدمة لأرباحها وانجازاتها العظيمة.لكن كما ترى تتوسع وتزداد انشطتي الاستثمارية يوم بعد يوم ،طبعا الاستثمار في بورصة النوم و التعربد في المقاهي و الازقة و امام عتبات المصانع بحثا عن هذا الكائن المختفي.

إذاً..أنت تنقصك الخبرة في المجال...

ليس بالتحديد،أنا عملت في هذا الميدان 4 سنوات،لكن بعقود عمل مؤقتة،يعني في كل مرة تطأ قدمك احدى المؤسسات حتى تتفاجأ بكونك شخص غير مرغوب فيه في الشركة ، يعني تنقصك "الكفاءة" ،ويعني بالمفهوم البلدي المغربي عليك ان تكون بالأساس "بركاكا "، كلبا و مخبرا وجاسوسا للسيد المدير ايده الله بنصره على اعدائه من المنافسين،علاوة على ذلك اَفْرِجْ عن ما تيسر لديك من قدرات على شم و كشف و استكشاف نوايا ودسائس اعداء الشركة في كل مكان و زمان،حتى داخل اسوار المؤسسة، أنت ناجح و كفؤ اذا كنت عند حسن ظن "الباطرون" السيد المدير ايده الله بنصره،ويا سلام اِذا كنت من المرضيين،آنذاك ستدخل في حرب الجواسيس من اوسع ابوابها مع منافسين مثلك كلاب منزوعة المخالب.
أنا من جهتي لم اقبل بهذه المسرحية،عملت باستقامة فَنِلْتُ هديتي السخية..الطرد والتسريح من العمل.هذه تجربتي مع الشركات العائلية "الحانوتية" اوما يصطلح عليها ب"المقاولات الصغرى و المتوسطة".

دعك من هذه الشركات،لماذا لم تدفع طلبك للشركات الكبرى ؟ على الاقل تضمن مستقبلك المهني.

عملت مع احدى الشركات المنتفخة الجيوب،لعلمك يتم عصرك ثم عصرك حتى تحقق لهم الأرباح الخيالية ،في الاخير تنال اجرتك الصغيرة، تداوي بها على الاقل امراضك النفسية والبدنية.أكيد انه لم تدم تجربتي طويلا معهم،و لم يتم ترسيمي في المؤسسة، بسبب اعتمادها على عقود عمل مؤقتة تمتد لسنتين فقط ،تحرم فيها من التأمين الصحي ومن الاستفادة من الضمان الاجتماعي ،وعلى فكرة هذه العقود متفق عليها ضمنيا و شكليا بين بعض الشركات الكبرى و الدولة

اذاً..انصحك باجتياز مباريات الولوج لوظائف القطاع العام؟ على الاقل تضمن الاستقرار و الامن الاجتماعيين.

لا أخفي عليك كذبا بأني اجتزت العشرات من "الكونكورات" حتى صرت نجما معروفا لدى المترشحين،عام بعد عام، أجد نفسي أمام جيش من المعطلين ينتظرون فرصتهم لنيل ولو ربع منصب في القطاع العام،الامر لم يعد سهلا كما في السابق،القصة وما فيها ان الحكومة لم تعد ترغب في توظيفنا.

طيب..لا تعتمد على الوظائف الحكومية ،أنت لديك الخبرة الكافية لتؤسس لنفسك مشروع مقاولة صغيرة؟

أنت تعرف جيدا انك حتى واِن أسست لنفسك مملكة اقتصادية صغيرة يلزمك المال،وأنت تعرف ان الدولة سحبت يدها عن دعم واستفادة حاملي الشواهد الجامعية والمهنية من القروض في اطار ما يسمى ب"مقاولتي"، الامر بالنسبة اليها وللأبناك المانحة مجازفة و مغامرة محفوفة بالخسائر وغير مضمونة النتائج.أما بالنسبة لمؤسسات القروض الصغرى،فهي الاخرى لم تعد تستثمر فينا،بل فضلت منح القروض الاستهلاكية لمحدودي ومتوسطي الدخل في شرائهم لفرن او تلفاز، او حتى ثلاجة لعل وعسى تبرد و تنعش خواطرهم البركانية.

خليها على الله..ولا تعتمد على أحد ،اشتري لنفسك عربة، او ابحث عن مساحة اسفلتية بجوار السوق،واعرض سلعتك امام الناس،الشغل ليس عيبا،حتى لو بعت البطاطس والبقدونس.

كان لي الشرف والفخر وانا الحاصل على الشواهد العليا والتقنية و الخبرة في المقاولات الصغرى و المنتفخة الجيوب ان اصير في يوم من الايام بائعا متجولا لكل المنتجات و السلع و الخضراوات، حتى البطاطس

حتى البطاطس ؟؟؟

بل و حتى البقدونس و النعناع.لكن كما تعرف مهنة البائع المتجول غير معترف بها من طرف الدولة،يعني مهنة اشبه ما يكون بتاجر المخدرات،انت دوما مطارد في كل وقت وحين من طرف سلطات البلدية،جزاهم الله كل خير،يريدون ان يحاربوا البطالة.

ولماذا لم تطالب بحقوقك،الدستور يكفل لك الحق في التوظيف في الدولة؟ بل وحتى ويضمن لك الحق في الاحتجاج و التظاهر للمطالبة بحقك في التوظيف،انت مواطن،وانت في بلد الحريات والديمقراطية،لا تخف،عبر عن مطالبك امام ساحة البرلمان.

فعلا انا في بلد الحريات و الديمقراطية و الحق والقانون،انت محق،وانا استجبت لهذا النداء، عبرت عن مطالبي امام ساحة البرلمان،صرخت،صفرت،و استغث بأعلى صوت،وفي الاخير تمت الاستجابة لمطالبي..ضرب مبرح ينسيك معنى الوطن.

إذاً..أنصحك صديقي العزيز،بتمضية احلى الاوقات و اسعدها في الساحات العمومية،لا شيء يضاهي المهرجانات،البلد يحتاج للفرحة والبهجة،احتفل بهمومك،وارمها عند اقرب حفلة صاخبة مجانية،ارقص..غن..وانس،وكل عام وانت معطل.