المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعيد الكناني Headshot

الليبرالية والفلسفة.. سلوك

تم النشر: تم التحديث:

أُشبِعَت الصحف المحلية الورقية منها والإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بمصطلحات لم تكن من قبل ذات مصطلح كما في تعريف المصطلح في كتاب التعريفات للشريف الجرجاني، المتوفى سنة 816هـ، بأن معنى الاصطلاح "عبارة عن اتفاق قوم ما على تسمية الشيء باسم ما يُنقل عن موضوعه الأول، وإخراج اللفظ من معنى لغوي إلى آخر لمناسبة بينهما"؛ إذ من تلك المصطلحات التي أصبح قَدَرها أن تكون ذات اصطلاح ولها قوم معتبرون، ولها قوم سمعوا بها وأعجبوا بها، ولها قوم يتحرجون من الاتصاف بها، وقوم أنكروها وغيرهم من الأقوام.

ومما يسمى بالمصطلحات مثال على ذلك الليبرالية بكل توصيفاتها؛ إذ لم تكن في القرن الثامن عشر كحالها الآن بأنها ذات منهج وحزب ورجالات؛ إذ كان الأب الروحي في عصر الأنوار الأوروبي الفيلسوف الألماني "عمانوئيل كانط" الذي كان من ضمن فلاسفة ذلك العصر، ومنهم "جون لوك" و"هيمو وروسو" وغيرهم، كان مبتدأ أمرهم بتجمع فلسفي مواصلين التهجم على قدسية انتقاد الكنيسة على غرار الراهب الفيلسوف مارتن لوثر، مؤسس حركة الإصلاح الديني، وبه نشأت البروتستانتية الذي ثار بنقده على صكوك الغفران في الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الحين من عام 1517، الذي كان للأخيرة الأمر والحكم، ومن يخالفها يكون عليه وابل العذاب، فمرجعيتهم الدينية هي المسيحية، واختلفت طوائفهم، فكانت حروبهم الدينية.

وأصبح مكانها تطبيق الرؤية الفلسفية التنويرية، ألا وهي الليبرالية التي كانت من مجموعة فلاسفة من إنجلترا وألمانيا وفرنسا، وانتشرت في أنحاء عدة من العالم؛ كون غالبية دول العالم من الديانة المسيحية، فتلقفتها وطبقتها وفق الرؤية الفلسفية القائمة على إعمال العقل في توجهاتهم الفكرية والقراءات الدينية التي أخضعوا العقل عليها بأن تكون وفق منهجهم المنضوي تحت علوم الطبيعة الفيزياء والكيمياء والعلوم الاجتماعية والنفسية والصالونات الأدبية، ومما قاله كانط عن التنوير حينما سأله أحد القساوسة، وظهرت في مقاله فيما بعد عام 1784 "أعملوا عقولكم أيها البشر، لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم، وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر، فالله زودكم بعقول، وينبغي أن تستخدموها".

ونجد أن الليبرالية ذات طابع سلوكي ابتداءً، ثم منهج تطبيقي كان لا بد له من أن يفرض نفسه مكان انتهاء فترة سلطة الكنيسة، واتخاذ المنهج الليبرالي قانوناً لأنظمة حكوماتهم المدنية، وترك اختلاف طوائفهم المسيحية، التي خرجت الليبرالية بثوب ديني محدود وفلسفي فكري مطلق، ومن تطور تلك الدول عادت بهم الدائرة وفق مصلحتهم، إلى أن يكون مرجعهم في إصدار الأوامر الدولية والتصريحات العالمية بمباركة مرجعيتهم الدينية، ولنا في تصريحات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس، حينما ذكرت في حديث لها بالـ"واشنطن بوست" من عام 2005 بمصطلح الفوضى الخلاقة، وهو المصطلح المشابه لمن قبلها وهو السياسي الأميركي صامويل هنتنغتون في كتابه "صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي الصادر عام 1996"، وما كانت مباركة الكنيسة الروسية على لسان رئيس العلاقات الكنسية المعزول بعد هذا التصريح فيسفولود تشابلن غير بعيدة، حينما أعلن بوتين عن تجربة أسلحته الفتاكة على سوريا؛ حيث ذكر الأول "أن بلادنا تقود معركة مقدسة"، وفق ما ذكرت هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" ، وللقارئ الكريم يُترك له الفهم من تلك التصريحات إلى مَن توجّه!

فمن يرغب تعلم الليبرالية والتعمق فيها، قبل أن يقول إن الليبرالية آن لها أن تكون مطبقة في مناحي الحياة!، فلا بد للقائل أولاً القراءة بعمق ليس بأسبوع أو حتى عدة أشهر؛ إذ ما سيقرأه من مصطلحات أشبه بالطلاسم التي يلزم تفكيكها؛ لتصل إلى العقل بكل معرفة وحذاقة، ألا وهي "الفلسفة"، وقبلها القراءة التأصيلية في العقيدة الإسلامية؛ ليكون لدى القارئ عقلية متزنة، ثم النظر في سلوكها التطبيقي العملي في دول عدة من العالم، التي تعلن عن ليبراليتها، فلا تزال في نقص مستمر نظير ما تستمده من أصول، وهي الإنجيل والتوراة المحرفة، فرغم ما تميزت به في جوانب، فإنها قد خفقت في جوانب أخرى أودى بها إلى التحذير منها نظير عدم اتخاذها سقفاً وحداً معيناً.

ومن العجيب أن من يختلف في قراءات دينية يُقال عنه ليبرالي، والاختلاف في الإسلام معترف به، والواقع أن من ينقد لم يعلم من قبل بالليبرالية الفلسفية، ومن يرد عليه لم يعلم من قبل بالفلسفة اليونانية، ومن يقول ممن امتهن كتابة بضع مقالات فقط ناقداً من أجل الهدم لا البناء، وكاتباً من أجل الشهرة راصاً بضع كلمات يعتقد أنها جديدة ومندرجة تحت الليبرالية يقال عنه ليبرالي؟! فلا توجد ليبرالية حقاً طالما الفلسفة لا توجد كتعليم من باب "تعليم الشر مخافة الوقوع فيه"، ولن توجد ليبرالية؛ إذ الدين الإسلامي قد وعى تلك القراءات قبل أن يُفكر فيها من قبل.

ومن يختلف في القراءات لا يتصف بالليبرالية، إنما فخرٌ له بالإسلام وكفى، فالاختلاف الناضج لا يؤدي إلا إلى بناء، أو أنهم يرغبون بتطبيق الليبرالية متى شاءوا بإزاحة الدين الإسلامي وطلبه عند الضرورة، فالواقع أن الليبرالية بكل تفريعاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والفكرية هي مطبقة وذات سلوك تطبيقي، غير أنه بعيد عن ضجة الليبرالية الغربية، ولكن ذات حدود وسقف لا يتجاوزه أحد وغير مرئي، أو اختلاف الأمة الإسلامية على طوائفها يكون أنسب الحلول لها الليبرالية!

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.