المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صائب نايف Headshot

أضواء على تظاهرات ساحة التحرير

تم النشر: تم التحديث:

هناك واحدة من مبادئ الجدل الماركسي هي (التراكمات الكمية تؤدي إلى تغيرات نوعيهة) وهذا ينطبق على مظاهرات ساحة التحرير في بغداد وعدد من المحافظات، فبعد ١٢ سنة من تفشي (الفساد، المحاصصة، الطائفية، الفئوية، والحكم باسم الدين) تشهد بغداد اليوم في ساحة التحرير وأمام نصب الحرية أسبوعيًّا مظاهرات واسعة تستقطب شرائح متعددة للتعبير عن ثورة الغضب المتراكمة تجاه سلوكيات الحكومات العراقيه منذ ٢٠٠٣ ولغاية الآن من خلال استغلالها للدين كغطاء لعمليات الفساد وإشاعة مفاهيم المحاصصة والطائفية التي نخرت مؤسسات الدولة وأنهكت الشعب، وهذه التظاهرات التي ازدادت توهجًا مع دعم المرجعية الكبير لها أضحت الشرارة الأولى لدفع رئيس الوزراء السيد العبادي للقيام بحزمة إصلاحات قوية ومهمة استهدفت مفاصل الدولة وأثلجت صدور العراقيين على الرغم من عدم جني ثمارها لحد الآن.

إن من ينزل إلى ساحة التحرير ويدخل بين جموع المتظاهرين يدرك مدى الحقد والنقمة واتساع الفجوة بين الطبقة السياسية وعامة الناس في هذه الصورة التي تعيدنا إلى أمثلة من التاريخ القديم ممثلاً بالثورة الفرنسية عندما قيل لماري أنطوانيت زوجه لويس السادس عشر: إن الشعب انتفض ويتظاهر من أجل الخبز، فقالت: إذا لم يكن هناك خبزٌ
للفقراء.. دعهم يأكلون كعكًا!! بطريقه تنمي عن استخفاف وجهل بواقع الشعب الفرنسي وقتذاك، حتى قطع رأسها من قبل الثوار، والمثال مع الفارق بالنسبة لمتظاهري ساحة التحرير وأهدافهم، فالتظاهرات (الجمعة الأولى 7 آب) تميزت بعفويتها وصدق شعاراتها وواقعيه المطالب، ولم يظهر لها أي أبعاد سياسية. أما القائمون عليها فكانوا من المشهود لهم بالشارع العراقي بالرغم من افتقارهم إلى مركزية موحدة لإدارة التظاهرات جماهيريًّا وإعلاميًّا واستطاعت هذه التظاهرات أن تجبر الحكومة على القيام بحزمة الإصلاحات الأولى لها.

أما تظاهرات (الجمعة الثانية أي 14 آب) فإنها أخذت بعدًا آخر لم يعجب الكثيرين ممن حضروا فكان واضحًا وجود توجهات سياسية وشعارات مبطنة بنبرات سياسية ذات صبغه دينية ترفعها جهات معينة، ناهيك بعمليات الاعتداء على نشطاء مدنيين، وبعض التجاوزات أيضًا على القوات الأمنية التي تمتعت بصبر عال في احتواء المتظاهرين، بالإضافة إلى مشاحنات بين تيارات سياسية وفكرية وصلت لحد الاشتباك بالأيدي، كالمشاحنات التي حدثت بين التيارات الدينية أو بعض المحسوبين عليها وبين التيارات الشيوعية أو اليسارية (المدنية).

الفرق بين جمعتي المظاهرات كبير جدًّا فالأولى كما ذكرنا عبرت بصدق عن غايات الناس مثل (القضاء على الفساد، توفير الخدمات، الإصلاح الحكومي) أما الثانية بالرغم من أن بعض الشعارات كانت معبرة عن الرأي العام، ولكن استحدثت شعارات كان فيها علامات استفهام متعددة (مثل: حل البرلمان، تحذير العبادي وإمهاله مدة لتنفيذ الإصلاحات، ودخول الخضراء) كأهزوجة (صوت الشعب حذرك وينادي حل مجلس النواب ياعبادي.. لو ردت نبقى أحباب حل مجلس النواب) وكذلك (صًدگ الخضراء يمنا مو بعيدا) بالإشارة إلى إمكانية دخولهم للمنطقة الخضراء، هذه الشعارات لا تنسجم مع روح المرحلة وغايات الشارع وعمل الحكومة (فحل البرلمان يعني إرجاع العملية السياسية والدستورية إلى الصفر وليست من صلاحيات رئيس الوزراء حسب المادة (٦٤) من الدستور العراقي، كما إن وضع العراق ومعاركه مع إرهاب داعش على جبهات مختلفة لا يسمح بمثل هذه الحلول والشعارات لأزمة العراق الحالية.

ويلاحظ أيضًا خلال الجمعتين افتقاد التظاهرات إلى قيادة واحدة منظمة تجمع كل الأطراف وتوحد المطالب، فالمظاهرات افتقدت إلى قيادة موحدة مؤثرة بالإضافة إلى توزع المتظاهرين إلى مجاميع على أماكن في ساحة التحرير لكل مجموعة شعارها الذي ينسجم مع أفكارها وأهدافها التي تتظاهر لأجلها، بالاضافة إلى وجود بعض الشباب الذي يعبر عن رأيه الفردي بشعارات لا تخلو من السخرية تجاه الساسة، وهي تصرفات فردية لا موجه لها سوى حامليها فقط غايتهم التعبير عن صوتهم من خلال شعارات تُنشر بعد ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي.

إن استمرار التظاهرات بهذا الشكل غير المنظم والموحد وافتقاد الواقعية في الشعارات والمطالب المرحلية وافتقارها إلى قيادة متفق عليها سيفقدها الغاية التي وجدت لأجلها وسيبعد المظاهرات عن الأهداف التي خرج الشعب من أجلها، وهي (القضاء على الفساد، توفير الخدمات، الإصلاح الحكومي) وقد يؤدي إلى وضع معرقلات لعمل الحكومة مستقبلاً، وسيسهم أيضًا بقيام بعض غير الراغبين في الإصلاحات بركوب موج التظاهرات لتمرير أجندات سياسية تربك الواقع العراقي وعمليات الإصلاح التي يقوم بها السيد رئيس الوزراء، وهذا ما ظهر في خطابات بعض السياسيين العراقيين عندما حذر بأن استمرار هذه التظاهرات قد يخلق منها صورة لمظاهرات الأنبار في إشارة إلى أنها ستتحول إلى بؤر إرهابية واقتتال.

من الأهمية تأني الحكومة في حزم الإصلاحات الثالثة والرابعة حتى يرى الشعب أو يتلمس تنفيذ الإصلاحات الأولى والثانية على أرض الواقع، مثل توفير الخدمات ومحاكمة الفاسدين وإنهاء المحاصصة في مفاصل الدولة، وبخلاف ذلك فإن الشارع سيفقد أمله وسيرفع سقف المطالب، وربما تنقلب هذه التظاهرات إلى عنصر مزعج للشعب والحكومة بعدما كانت عنصرًا مفرحًا وداعمًا للشعب والحكومة.

ملحوظة:

المقالات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع