المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سداد عقاد Headshot

الاستثمار الإيراني في الإعلام: راديو مونتي كارلو نموذجاً

تم النشر: تم التحديث:


تدرك الإدارة الإيرانية العليا أهمية الإعلام وتأثيره، بمختلف صوره وأشكاله المسموعة والمرئية والإلكترونية، على صناعة الرأي العام، والدفاع عن التوجهات السياسية، وتوفير الغطاء اللازم والمناسب للمواقف المختلفة؛ لذلك فهي لا تقصّر مطلقاً في الاستثمار فيه حيثما أتيح، وبكل شكل ممكن، سواء عبر توفير البنى التحتية للمنصات الإعلامية أو الدفع المالي المباشر وشراء الأقلام والصحفيين، وليس انتهاء بمسلسل تبادل المنافع والخدمات والتسهيلات للآخرين.

ونظراً لأهمية الأدوار الخارجية للسياسة الإيرانية، فإنها تسعى للاستثمار في الإعلام الخارجي، خاصة الموجه للمنطقة العربية، منطقة التوغل الأقرب والأهم بالنسبة لهم، فإذا كانت ساحة هذا النفوذ هي الشرق الأوسط سوريا ولبنان والعراق بدرجة عالية، وباقي المناطق بدرجة لاحقة، وإذا كانت هذه الوسيلة تعتبر الأكثر شعبية لسهولة الاستخدام عبر الراديو بموجاته المتوسطة في سوريا ولبنان والأردن، وعبر موجات الإف إم عالية الوضوح في المناطق الأخرى، فإن الاستثمار سيكون مجدياً.

ينطبق هذا التوصيف تماماً على إذاعة راديو مونتي كارلو الفرنسية التي تبث بالعربية من الساعة الخامسة فجراً بتوقيت العراق وشرق الخليج، وتستمر حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، في بث مباشر تتخلله على مدار الساعة نشرات إخبارية وبرامج سياسية متنوعة موزعة على مساحة النهار كله لراديو يعتبر في قائمة الإذاعات الترفيهية، لكونه منشغلاً بالأغاني والبرامج القريبة في غير ذلك من الأوقات.

ونظراً لمجموعة أخرى من الأسباب فإن راديو مونتي كارلو يعتبر من الإذاعات الأكثر سماعاً في المنطقة، لتاريخه الطويل في العلاقة مع المستمعين عبر مقدمي برنامج وتكنيك إذاعي مميز خفيف الظل، وقريب من الناس.

ونظراً للحجم الهائل من الاستثمار الإيراني في لبنان والمنطقة عبر مشاريع الهلال (والقوس والسيف) الشيعي المتمدد، وهي منطقة التغطية الإذاعية الأساس لإذاعة مونتي كارلو، فإن التقاطع قد تم وعلى أوسع نطاق.

كل هذا دفع المسؤول الإيراني لإدراك أهمية هذه الوسيلة، فسعى بكل الطرق لامتلاك أوسع الأسهم وشراء ما يمكن شراؤه من صحفييها ومذيعيها بالتعاون مع جماعة ميشيل عون اللبنانية التي تمتلك نفوذاً ما في باريس، ومن خلال الشراكة الثنائية بين مندوب إيران في لبنان حزب الله وميشيل عون.

وهكذا فإننا أمام شراكة غريبة، مجموعة دينية إسلامية متطرفة مؤدلجة (الولي الفقيه) وأخرى مسيحية نفعية معادية للمسلمين (يذكر أن قصف المناطق المسلمة أثناء الحرب اللبنانية كان الأسوأ خلال إدارة عون للقسم المسيحي 1986 - 1989) تمتلك أداة إعلامية مؤثرة في المنطقة، تخدم مشروعاً استراتيجياً إيرانياً توسعياً واضحاً، وهو الآن في حرب مع قسم كبير من شعوب وحكومات هذه المنطقة، ولأنه في الحب والحرب كل الوسائل متاحة، امتشق الإيراني هذا الراديو ليسخره كلياً لخدمة رؤيته ومشروعه الطموح.

هنا يتبادر سؤال حول الملكية الأصلية لهذه الإذاعة، فهي كما تعرف عن نفسها، إذاعة فرنسا الدولية، وهي تبث من باريس، وتستخدم التوقيت الفرنسي كلياً، وجل نشاطها الفني عن أمسيات باريسية وزوار باريس، ولكن العلاقة الرسمية شيء وصاحب القرار الإعلامي والإداري شيء آخر في تناقض عجيب للغاية.

كيف تخدم إذاعة مونتي كارلو المشروع الإيراني؟

تتلخص الخدمة في احتكار الجانب السياسي والإخباري في هذا الراديو لصالح صحفيين وكتاب ومذيعين يعبرون بشكل واضح فاضح عن الرؤية الإيرانية في أوضح صورها، عبر صداقة صديقها ومعاداة أعدائها.

وخلافاً لكل الأعراف والمقاييس الإعلامية فإن السياسة التحريرية للراديو، تلتزم ابتداء وانتهاء بكامل الرؤية الإيرانية وفي كل المسائل السياسية، عبر كل مادة إعلامية، مثل ترتيب الأخبار، وصياغة العناوين والمحتوى الإخباري والمراسلين وصياغة الأسئلة الصحفية والتعليقات والتحاليل السياسية.. ولعل متابعة محدودة ولأيام معدودة ولنشرات الصباح وبرامجها السياسية فقط ولملف واحد كالقضية السورية تفضح هذا كله، وتظهره على أقبح وجه فيجري ترتيب عناوين الأخبار فيختار الخبر الذي يدعم نظام بشار (مهما كانت درجة مصداقيته متدنية) ليكون عنوان النشرة، وعندما تصغي للتفصيل تعرف أن الخبر قد صيغ كلياً لما يخدم رؤية بشار حتى في القضايا الإنسانية المحضة؛ لذا يجري التعامي كلياً عن كل جرائمه المنفذة، بل يجري تحويلها لتكون في صيغة مجهول الفاعل في حالة كان من المتعذر إخفاؤها، ثم يأتي دور الحواشي والملحقات التي تبدي ما يخدم رؤية النظام ويلغي كلياً الرؤية الأخرى، لتكون خاتمة المطاف حديثاً لمراسلة الراديو في دمشق (صفاء مكلا) التي تكتب تقريرها المركز جداً والمصاغ بحرفية هائلة؛ ليخدم كل حرف فيه شتيمة المعارضة وطهارة النظام.

ورغم ظهور عقل سياسي ناضج هو الأستاذ خطار أبو دياب في الراديو؛ حيث يجري التعريف به على أنه المستشار الإعلامي فيها، وكذا ظهور الأستاذ عبد الوهاب بدرخان بين الفينة والأخرى كمعلق ومحاور، إلا أن هذا كله يجري توظيفه ليعطي انطباعاً بأن الراديو محايد، ويعمل بمهنية وحرفية واسعة، في ممارسة ديماغوجية مراوغة ومفضوحة.

وكمثال آخر على عداوة أعداء إيران يتبنى الراديو كلياً وجهة النظر الإيرانية - الحوثية في كل ما يتعلق بالحرب اليمنية، عبر مراسلها الذي يلقي تقريره من غرفة مجاورة لمقر إقامة علي صالح، موجهاً كل التهم للحكومة السعودية طولاً وعرضاً، دون أن تبذل الراديو حتى أبسط صفات الحيادية بنقل وجهة النظر السعودية في تلك المسائل.

ولعل أغرب ما تتميز به الإدارة التحريرية للراديو ذلك التعامل المزدوج مع الكلام الرسمي الفرنسي، ولعلي أقصد هنا كلام الرئيس الفرنسي أولاند، أو رئيس الوزراء أو وزير الخارجية الفرنسي، الذي يتم إيراده ضمن النشرة على استحياء وفي مواقع أقل أهمية؛ لتتم عملية تجاوزه مباشرة بالنقل عن آخرين معارضين للوجهة الفرنسية، فيذوب كلام المسؤول الفرنسي ويضمحل وتترسخ الرؤية الأخرى، مع العلم أنهم لا يمارسون ذلك إلا في القضايا التي تتعارض فيها الرؤية الإيرانية مع رؤية المسؤول الفرنسي، في نموذج مغال في التبعية والولاء والخضوع لإدارة المستثمر الإيراني حتى على حساب المصالح الرسمية الفرنسية.

في حديث خاص مع أحد مسؤولي السياسة الخارجية الفرنسية، قلت للرجل إنني لا أفهم أن تكون سياستكم بهذا القدر من الوضوح تجاه حرية الشعب السوري ومشروعه الوطني الديمقراطي (ولعل الإدارة الفرنسية هي والألمانية الأجرأ والأعلى صوتاً في إدانة النظام وبطشه وجرائمه، بل وفي استقبال رموزه الوطنية والسياسية) وتكون إذاعتكم الموجهة لأهل سوريا والمنطقة بهذا المستوى من التحيز والممالأة، بل والتغطية على الجرائم.

أجابني المسؤول الفرنسي بأننا في فرنسا لا نملك وسائل الإعلام، وأنها حرة لا قيد عليها، في نوع من التهرب الواضح، قلت له: أفهم الحرية ولا أقبل التحيز، لو كانت مونتي كارلو منصفة لأوردت وجهات النظر المختلفة، ولكن تبني وجهة نظر النظام حيثما أتيح لها أمر لا يمكن طيه تحت دائرة استقلالية وسائل الإعلام.

في كلمة موجزة، وكما يقال في الأمثال الشامية، (غضب ربي عللي بصح له يتدلل وما بتدلل) ومعناه من يتاح له الدلال والتوسع والتمدد ولا يفعل ذلك، فإن غضب ربي ينزل عليه! فإذا كان متاحاً للإيراني استغلال وسائل الإعلام لعرض رؤيته وشرح وجهة نظره، بل وتوظيفها في حربه المعلنة والواضحة، سواء بالتطوع أو الشراء والاستثمار، ثم لا يستفيد من ذلك إلى أقصى حد ونهاية، فهو غبي ولا يستحق الحياة، ولأنه ليس غبياً، ولا ساذجاً، فهو يستخدم كل شيء لخدمة مشروعه: الإعلام والراديو والتلفزيون والقنوات والمسلسلات... ألم أقل لكم في الحب والحرب كل شيء مباح؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.