المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سداد عقاد Headshot

فرصة داعش في الحياة

تم النشر: تم التحديث:

أجزم بأن عدد الروايات حول نشأة داعش سوف تزداد يوماً بعد يوم، وأن قسماً منها صحيح بدرجة أو بأخرى، وأن حقيقة النشأة لن تحسم اليوم ولا غداً ولا بعد 30 سنة، فسرها سيبقى دفيناً، وبأيدي كبار يريدون طمسه حتى النهاية.

وللحقيقة فإن كل ما يقال عن أسرار النشأة لا يكفي لتفسير ما حدث ويحدث خلال مسيرة هذه الظاهرة العجيبة، ما لم تكن البيئة الداخلية للمجموع السني المحيط بداعش جاهزاً لتلقف هذه النبتة الخبيثة لتنمو وتزدهر، وتتحول من جنين إلى مولود كارثي مدمر.

ترى ما هي البيئة الداخلية التي كانت ولا تزال موجودة لتكون المحضن والرحم لنمو مثل هذه البذرة الخبيثة؟ وما الدم والنسغ الذي يمهدها للحياة ويجعلها قابلة للنمو؟ لأن داعش كارثة قابلة للتجدد قد تختفي اليوم لتظهر غداً في شكل آخر، وثوب جديد، ما لم نستطِع محاصرتها عبر معرفة أسباب بقائها وانتشارها.

وإذا كان كثيرون قد تحدثوا عن صلة بين داعش والخوارج، كنشأة وتاريخ، فإن المطلوب الآن هو معرفة أسباب توافر البيئة المناسبة لاحتضان هذه البذرة، وبالتالي سبب استمرار هذا التطرف والعنف.

عند دراسة المجتمع المحيط بنا وسر توفيره البيئة الحاضنة لداعش، نجد أنها تنحصر في رؤية تشبه المسلمات لدى الرأي العام مكونة من ثلاثة أجزاء:

1- نظرة مجتمعنا (للآخر) (وهو هنا العالم الأقوى، الغربي، نموذجاً) أنه الشر المطلق، الذي لا خير فيه ولا نفع.

2- شر هذا (الآخر) كله موجه نحونا، نحن المسلمين حصراً، بهدف تدميرنا وسحق إمكاناتنا، كراهية منهم لديننا وعقيدتنا ونبينا.

3- سبب بلائنا هو (الآخر) الشرير الفاسد المفسد، الكافر الكاره لنا والمعتدي علينا، منذ أيام السيرة مروراً بالحروب الصليبية وليس انتهاء بالاستعمار الغربي التقليدي سابقاً، والكولونيالي العولمي لاحقاً.

هذه الرؤية الثلاثية هي من شكل البيئة المناسبة لحضانة التطرف وفكر داعش في لحظة لاحقة.

وللأسف فقد تم استغلال هذه (الرؤية - المسلمات) من قِبل أنظمة حكم دمشق وطهران بما يخدم مصالحها ورؤاها الإعلامية الظاهرة (معاداة الشيطان الأكبر، والإمبريالية)، واستراتيجيتها الخفية في توتير العلاقة بين الكتلة السنية في المنطقة والعالم الغربي عموماً، ولعلنا لا ننسى تلك التجربة المريرة التي مررنا بها أيام اعتداء (شارل إيبدو) في باريس وما تلاه، وكيف حشد إعلاميو إيران وأصدقاؤهم في بيروت عشرات القصص والحكايات الحقيقية والوهمية، التي تروي توحش الفرنسي، وتاريخ استعماره لبلاد العرب والمسلمين،

وقصص القتل والتدمير المروية عن أيامه السوداء في الجزائر؛ حيث قامت بتوزيعها عبر الوسائط؛ ليتلقفها الجمهور السني ببساطته وطيبته فيعيد إنتاجها بصور مختلفة وعلى أوسع نطاق؛ ليظهر موقف الغالبية السنية موقفاً تسويغياً لأفعال من نفذ (شارل إيبدو) وأخواتها، بل ومشجعاً لها في لحظة لاحقة، بما يعني مزيداً من توريط الكتلة السنية للأمة في حالة العداء المتواصل مع الغرب، وتكريس القطيعة معه، وبالتالي مد التطرف والعنف وداعش بالغذاء والنسغ اللازم له؛ لتكتمل الصورة النمطية: مجرم نفذ عملية إرهابية في الغرب، ارتاح الرأي العام السني لها، وسوغ حدوثها،

مما أتاح المجال لتكرارها، والإيراني بريء من ذلك، بل هو يوقع الاتفاقات مع الغرب، ويبرم المواثيق، ويؤكد التزاماته الواضحة تجاه الأمن الدولي، فيستفيد من فرصة ويوقع بمنافس له، ليبادر الغرب في مقابل ذلك بالدفاع عن ذاته، فيهاجم مؤسسات للإسلام في أوروبا، وينزع نحو اليمين المتطرف القبيح، فيولد ردة فعل تالية، وهكذا في مسلسل لا يكاد يتوقف.

ولكن ماذا بعد وماذا قبل؟ إنها الرؤية الثلاثية التي تتأكد في العقل الجمعي عبر كل تغريدة شاذة هنا، أو صورة مفبركة هناك، أو حكاية عجيبة في موقع ثالث، أو كلمة تافهة لصحفي أو سياسي عابر في موقع آخر؛ ليُجمع هذا كله في السياق ذاته، لترسم للغربي خاصة، وللآخر عموماً، صورة العدو القاتل المغتصب الكاره الراصد.. وأضف ما شئت من صفات تستنفر أبناء الإسلام لمزيد من التحشيد والتصدي لأفعاله وتصرفاته أياً كانت، حيث داعش في نهاية الطريق تتلقف هؤلاء كلهم.

ولندقق في عشرات القصص والمواقف والمرويات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، التي بعضها مفبرك عبر الفوتوشوب، أو تاريخه قديم لسنوات خلت، أو هو قصة لقضية لا علاقة لها بدين أو معتقد: كرجل مريض نفسياً يعذب طفلاً، لنقول تعليقاً (انظروا ماذا يفعل قوم كذا بأطفال المسلمين)، أو آخر يقطُع دمية تشبه طفلاً ليقال: (انظروا كيف يتدربون على تقطيع أطفالنا)، أو مقطع من فيديو ترمى فيها جثث بطريقة فظيعة، لنقول: (انظر ماذا تفعل الطائفة الفلانية أو الحزب الفلاني وما هو ردكم يا أهل الملة والإيمان؟)

رغم أن بعض هذه المقاطع صحيح وقد وقع بالفعل، فما شهده العنف الذي يجري في منطقتنا لا يماثله إلا حالات توحش نادرة في هذا العالم، بل إن بعض هذه القصص مفتعل بكل معنى الكلمة، ورغم ذلك يطير الناس بهذه المقاطع والصور من مكان لآخر دون توقف أو أي تثبت.

وخلاصة ما ترويه هذه النقول والمقاطع: انظروا يا أهل الإسلام ماذا يحاك لكم، انظروا القتل والجرائم التي تجري بحقكم، أين أنتم... في مسلسل مستمر؛ لتصل كل هذه النداءات لأسماع شبابنا حيث يجدون جوابها السريع قريباً من داعش وأخواتها دون تردد أو تأخير، فهي الحاسمة القاطعة المكافئة لكل ذاك الحقد والكراهية والعنف!

إنه رد فعل يراد له أن يكون طبيعياً وعفوياً رغم أن الأمة نفسها هي أول من اكتوى بنار هذا المخرج - الحل.

إنه الفكر الضيق لكثير من النخب والعامة، وقلة خبرتهم، وضعف توثقهم وتثبتهم من المواقف والأخبار، وشغفهم بالمظلومية وقصص الاضطهاد، واعتقادهم أننا نحن فقط أهل الخير في هذه الأرض، وما سوانا شر وفساد لا ينتهي، ورغبتهم بالانضواء تحت ألوية الجماعات الأكثر تطرفاً لقناعتهم أنها الأقدر على صد عدوان المعتدين وصولة الصائلين.

إن محاربة التطرف تبدأ من الذات: من فهم النخب ووعيها، وبالخروج من دوائر التخويف والتحشيد وصنع القلاع، والانكفاء على الذات، بالموضوعية وعدم الانجرار وراء الأوهام، بفهم الآخر بخيره وشره، وحسن التعامل مع نواميس الكون من قوة وضعف، وهي قوانين لا تحابي أحداً، وإلا فالمسلسل مستمر، ونهايته ليست قريبة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.