المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صابرين علي Headshot

الأكراد ما بين حلم الاستقلال والأزمة الاقتصادية

تم النشر: تم التحديث:

الحياة كانت جيدة نوعاً ما، والناس كانوا شبه معتادين وراضيين عن أوضاع معيشتهم في كردستان، الاقتصاد كان يزدهر وفي ذروته، ولكن عندما بدأت حكومة الإقليم في تصدير النفط إلى الخارج بشكل مستقل، ودون الرجوع إلى الحكومة المركزية في بغداد في مطلع عام 2014، حينها وجدت المشاكل طريقها إلى الوجود ما بين الطرفين، وبالتالي أدى هذا الأمر إلى قطع حصة الإقليم الشهرية من الميزانية، من قِبل حكومة العراق.

حصة الإقليم تكون 17% من إجمالي ميزانية العراق، رفض بغداد إعطاء الإقليم حصته سبّب مشاكل مالية في إقليم كردستان، كردستان تواجه مشاكل عدة في الوقت الحالي من ضمنها: الأعباء الكبيرة على عاتقها، بسبب موجات النزوح الكبيرة للعراقيين من مدنهم، بسبب الحروب والوضع الأمني السيئ، وحربها على تنظيم الدولة الإرهابي، ومن ناحية أخرى دفع رواتب الموظفين الحكوميين.

مرت سنتان على الأزمة الاقتصادية في الإقليم، ويكاد يضرب بالأكراد المثل في حسن صبرهم على الأزمات التي تقع على رؤوسهم واحدة تلو الأخرى. الأكراد يرون أن المعيشة قد أصبحت أصعب بكثير مما كانت عليه في السابق، هذا لأن 1٫4 مليون هم من الموظفين الحكوميين، ويعتمد دخلهم بشكل رئيسي على الراتب الشهري الذي يتقاضونه من الحكومة، إلى هذه اللحظة لم يحصلوا على رواتبهم لشهور (سبتمبر/أيلول، أكتوبر/تشرين الأول، نوفمبر/تشرين الثاني، وديسمبر/كانون الأول) لعام 2015.

في أكتوبر عام 2015 اجتاحت المظاهرات شوارع مدينة السليمانية، ثاني أكبر مدن إقليم كردستان، وبعدها امتدت المظاهرات إلى مدن أخرى من الإقليم، المتظاهرون كانو من الكادر التدريسي في المدارس والموظفين والعمال الذين يعملون في القطاع الحكومي، إضافة إلى آخرين من الشعب الكردي، خرجوا إلى الشوارع للتعبير عن سخطهم إزاء الوضع الاقتصادي السيئ، وللمطالبة برواتبهم غير المدفوعة لأربعة أشهر، كانوا يأملون من الحكومة القيام بإجراء إصلاحات، وتنفيذ مطالبهم، ولكن سرعان ما تلاشت هذه المطالب، وذهبت أدراج الرياح، الحكومة اقترحت نظاماً جديداً لتخفيض رواتب جميع الموظفين الحكوميين باستثناء رواتب قوات الأمن، بدأ تنفيذ النظام الجديد منذ شهر فبراير/شباط 2016، ومنذ ذلك الحين والموظفون يتقاضون نصف الراتب.

تغيرت الحياة بشكل درامي في الإقليم، فالشباب بدأوا يهاجرون إلى خارج البلد، معرضين حياتهم للخطر على متن قوارب الموت، للوصول إلى الدول الأوروبية، آملين إيجاد الحياة الرغيدة، والأحلام التي ضاعت وتضيع في بلدهم، والمئات من الناس فقدوا حياتهم وهم يحاولون عبور بحر (إيجة).

الحياة شبه واقفة في كردستان، فالموظفون الحكوميون يعملون فقط لثلاثة أيام في الأسبوع، كنوع من الإضراب، إلى حين دفع رواتبهم كاملة، وتم وقف الآلاف من المشاريع في إقليم كردستان، بسبب الأزمة المالية الجارية.

ومن الجدير بالذكر أن رفض بغداد لدفع حصة الإقليم من الميزانية ليس السبب الرئيسي للوضع المزري للاقتصاد في كردستان، فالمشاكل التي تواجهها كحربها على تنظيم الدولة الإرهابي من جهة، والمشاكل الداخلية العالقة التي بين الأحزاب السياسية، بسبب عدم اتفاقهم على ترشيح مرشح جديد لرئاسة الإقليم، بعد ما انتهت فترة رئاسة الرئيس الحالي بشكل قانوني من جهة أخرى، وانعدام الشفافية في واردات النفط، جميعها سببت توترات وجعلت الحياة لا تطاق في البلد بالنسبة لمعظم الناس.

من الأفضل لحكومة الإقليم أن تراعي وتبالي بشعبها وتحارب الفساد في جميع مؤسساتها، فهنالك مبالغ مالية طائلة فقدت وتفقد من واردات نفط الإقليم، بالإضافة إلى وجود علامات استفهام كثيرة حول مكان الأموال المفقودة من إنتاج النفط اليومي الذي يتجاوز 550 ألف برميل نفط.

في الوقت الراهن جل ما يفكر فيه الناس ويهتمون لأمره هو تحسين أوضاعهم الاقتصادية الداخلية، والتخلص من العدو المتربص بأرضهم، والبعض يرى أن حلم الاستقلال الذي طالما انتظروه يستطيع أن يتأجل لحين تحسين الأوضاع الداخلية.

كردستان تحتاج إلى إدارة جيدة خالية من الفساد، وعقول مستنيرة لإدارة مواردها الطبيعية، واستغلالها بشكل جيد للتخلص من هذه الأزمة والارتقاء بالبلد؛ لذلك فمن الأفضل أن تتحسن الأوضاع الداخلية، وتحل المشاكل العالقة أولاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.