المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صابرين اعطيوي Headshot

كندا يا أجمل منفى

تم النشر: تم التحديث:

قال لي أحد الأصدقاء يوماً: إن الغربة مع الوقت تصبح وطناً، وإنك في ظلام أيامك ووحدتك يصبح حولك عالماً يحبك وتحبه.. قد لا يعوض حنين الذاكرة خسائرها، لكنه كافٍ بقدر على أن تستمر وتتقبل واقعك.

لكن حين كنت أقابل إخوتي العرب من كل مكان أو بالأحرى بعضاً من اللاجئين العرب الذين فقدوا أوطانهم؛ لنقول: "مؤقتاً"، وذهبوا إلى بلدان أخرى من بينها تركيا كنت ألاحظ دائماً رغبتهم المتواصلة في الذهاب إلى كندا.

وكأنها الوطن البديل أو الحل البديل لأزمة اللاجئين، لا سيما الذين فقدوا الشعور بالانتماء وأذاقتهم الحياة مراً وعلقماً، ولربما لم يجدوا في تركيا حقوقهم وضماناتهم.

ولكن لماذا كندا بالذات؟ سألت أحدهم.
قال لي بابتسامة ساخرة: كندا يعني الحرية، يعني الأمان والسعادة "بتعرفي إنو مجرد ما توصلي كندا بعطوكي بيت وراتب شهري وما بغلوبكي بإجراءات الإقامة بالعكس بستقبلوكي كإنك ملكة بدل ما نحنا ماكلين زفت هون وهون ملعون أبو هيك عيشة".

وقالت لي أيضاً صديقة عزيزة اسمها سارة: "كندا يعني العشق ما حدا الو دخل بحدا بتقدر تبلش من جديد وتفتحلك الدنيا بوابا.. صحيح هي برد شوي.. أو مش شوي كتير بس بنتعود، هلا صعب انك توصلي كندا.. لكن ازا وصلتيها بتكون فرجت".

المشكلة التي أصابتني بحالة من الذهول هي كلمة "منفى" من وضع هذه الكلمة اللئيمة.. من أدخلها قاموسنا حتى تصبح واقعاً؛ ليأتي هذا اليوم الذي نتحدث عن المنفى بحب!

أليست كندا وغيرها لكل من رحل قسراً عن بلده "منفى".. ما أقساها من كلمة!
هل ستغير كندا شعورنا بأننا منفيون مغتربون..
هل أصبح هنالك مكان النفي إليه أجمل من غيره؟ كيف وصلنا هنا؟

بحثت عن كلمة منفي في معجم اللغة العربية:
"مَنْفى" جمع مَنافٍ: اسم مكان من نفَى: مكان إقامة المطرود من بلاده: كان مَنْفاه في جزيرة نائية!

المنفى منفى أينما كان، لكن اتضح أننا وقعنا في هذا الحال مع الأسف؛ لنبحث عن منفى أجمل وأفضل طالما النفي فرض علينا.

هل كثرة المآسي التي وقعت على رؤوسنا جعلت تقبل الغربة والبعد عن الوطن و"المنفى" أمراً عادياً، وتلك الحسرة التي تنغص الحلق أصبحنا نمر عليها مع الوقت حتى ذابت!

صحيح أن كندا تعد ثاني أكبر دولة بالعالم، وهي دولة متقدمة في المجال الاقتصادي ولديها فرص العمل التي قد يبحث عنها الكثير من الشباب ليس فقط الذين فقدوا أوطانهم، بل من يبحثون عن حياة أفضل أيضاً، ورغم ما يمكن اعتباره أو تسميته خدعة إعلامية فإن هنالك الكثيرين الذين يمدحون الحكومة الكندية الجديدة وحسن الاستقبال الذي يحظى به اللاجئون فور وصولهم كندا التي تجعل كل من يشعر باليأس من أوطانه وبعض البلاد الأخرى يرى الخلاص في دولة كهذه.. تريك بشتى الطرق أنك الأهم ومن بعدك الطوفان.

لست الآن بصدد الحديث عن الذين خرجوا وانتقدوا هذه الصورة التي تروج لها كندا وبمعزل عن الحديث عن حاجاتهم لكوادر وظيفية إلى جانب الضرائب الباهظة التي تؤخذ على عاتق كل فرد يسكن في تلك الدولة وغيرها الكثير.

لكن تخيلت في داخلي للحظة.. أن كندا جنة الله على الأرض، وأن الرقص فيها مباح والحب فيها مباح بكل الطرق... والطيران فيها مباح.. والصراخ والعويل والشتيمة فيها مباحة... سقطت في خيال كي أصدق أنها قد تكون عوضاً بل وحلاً جميلاً للاجئين لكل من أثقلته الغربة وأوجعه البعد عن البلاد.. لكل من أراد "وطناً جديداً" ينسيه القديم وثقل ذكرياته.

ثم تذكرت كلمات للشاعر درويش في رسالة من المنفى

يقول: مهاجرا أتى هنا... ولم يعد إلى الوطن؟
هل يذكر المساء
مهاجرا مات بلا كفن؟
يا غابة الصفصاف! هل ستذكرين
أن الذي رموه تحت ظلك الحزين
- كأي شيء ميت - إنسان

كل ممنوع مرغوب وطالما أنت تشعر بأنك لا تستطيع العودة إلى بلدك سيلاحقك الشعور بأنك "منفي" وبأنك ميت حي.. وبأنك بعيد كل البعد عن الحرية والأمان.. حتى وإن استقبلك رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو بحب وبحضن كل يوم... سينقصك شيء لا يعرفه إلاكَ.. رائحة جميلة ستفقدها دوماً.. وطعام بغير نكهة ستشتاقه.. وكلام طالما أحببت سماعه.

ربما بعد جهد، ستصل وقد تقول لو أنني لم أذهب من الأساس!
منه أن لا شيء باقٍ ومنه أن لا شيء سينتهي، فنحن الخالدون والفانون على حد سواء، ونحن نعلم أن مهما تصورنا ورأينا حولنا من جمال وحياة، إلا أن هنالك شيئاً سيظل يسحبنا نحو الأسفل.. إلى الذكريات الأولى إلى الهوية الحقيقية.. إلى الوطن.

في البداية ككل شيء في أوله جميل ومعطر ستقول كما يقول الكثيرون: "انو منفى.. بس يا هيك المنفى يا بلا.. إنو ملا منفى".
كندا أبوس روحك يا أجمل "منفى"!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.