المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

صابرين اعطيوي Headshot

عن الفتيات.. عن الاهتمام

تم النشر: تم التحديث:

كانت تحاول دوماً أن تقول شيئاً، شيئاً مختلفاً حتى تكسر صمت الدقائق التي تمر دون كلام، ورغم أنها تنظر في عينيه بحرقة لا يصلها الشوق، وتبرد أفكارها وتذوب حرقتها داخلها ويعم الصمت من جديد.

اعتادت كالطفلة أن يقول لها أحبك، يتملكها بجميل الكلام، أجل جميل الكلام، وبمعنى أصح، الكلام الذي سيذكرها كل ما اشتكت من بعده عنها بأنه لم يهملها، وكان يتغزل بها كثيراً.

أتعرفون كيف يمكن أن يكون البصق في الوجه ولكن بشكل حضاري؟!
قال لها أحبك، وهو الشيء الوحيد الذي خلقت لأجله، وسأظل أحبك حتى آخر نفس، كم هو كلام جميل، مغموس بالآمال، وحينما تضع الفتاة بعضاً من خيالها المليء بكل أنواع البهارات تكتمل صورة "الحب" لديها، فيصبح عشقاً، وأيها عشق حتى خيال المسلسلات لا يكفي لردعه وطمس وهجه.

تتساءل بعد يومين بعد أن تلهيه الحياة عنها لماذا هي وحيدة وفي داخلها كل هذا الحب؟ لماذا تتلوى من الألم بعد كل هذه الجرعات من الكلام الجميل؟ لماذا روحها تموت، كبدها يحترق، حزنها يتضاعف، صبرها ينفد؟

تتذكر كلماته، تستشعر بروحها كم كان يبصق في وجهها كلما غازلها، وكأن كلماته مخدر، لكنه من النوع الرخيص جداً لا يفيد بشيء، لربما في بادئ الأمر، ولكن لقد مرت السنوات.

نعم كل شيء في أوله جميل، المشاعر، الأحاسيس، الأحلام، الأمنيات، عبق الجنون، ذلك الجنون الذي يتخابط مع بعضه، يركض دونما توقف، كقلب رجل يجعل من الحب وجهة تهديه إلى الطريق.

لربما الحب لا يموت، ولكن القدرة على الوصف التعبيري ولربما المجازي غير المتجدد تموت، ولربما تمل المشاعر من تكرار الكلام، لربما الحياة تقتل كل شيء جميل.

تماماً كأن نقول أصبح يحبها عن ظهر قلب، قد يكون هذا التعبير الصحيح؛ لذلك فقد المعاني لكلماته وأصبحت عادية جداً، وكأنه يتغزل في عنزة لا تشعر بشيء أو حينها تموت في الحب، وبعدها تموت من الوحدة، والذي يؤلم حقاً أنه بات يسرد كلام الحب عن ظهر قلب دون أن يشعر بكلماته حتى.. أحبك، أحبك.. أحبك عن ظهر قلب!

كثيرون سيعترضون الآن، سيقولون أنتن الفتيات لا يعجبكن شيء، أتردن العنب أم أن تقاتلن الناطور؟
أجل نحن "مخلوقات" لا يعجبها شيء، أكثر ما يؤلمنا الإهمال، وأكثر ما ينقذنا الاهتمام، ببساطة هذين الكلمتين وبصعوبة فهم الألم الذي بينهما، وعقولنا ليست صغيرة؛ لأن حياتنا أيضاً تمضي بهذا الألم، وننجو كثيراً، وننجح في أماكن أخرى، ولكن يبقى الحزن مشلولاً حتى وإن أراد الوقوف على قدمَيه، لا يستطيع.

ذلك القلب يمشي ميتاً بالحب، وأحياناً بالكره الذي يخلفه هذا الحب، لا سيما حينما نصبح عاجزين أيضاً عن مشاركة مَن نحب أجمل نجاحاتنا، وحتى خساراتنا، ليعم الصمت.

بماذا تختلف فتاة عن أخرى؟
لن أجزم لأقول إن كل الفتيات يعانين من قلة الحب، وأقصد هنا الحب المليء بالاهتمام، لكن كل فتاة تختلف عن غيرها في القوة، والصدق الذي يعاكسه الكذب، وروح المغامرة.

فكثير من الفتيات يقبلن بواقعهن من باب الحلول الوسطى، ويبحثن عن الحب ببعض الكتب والمسلسلات التي تشفي غليل اليوم وآلامه حتى ينتهي، وبعضهن يجدن فن التمثيل أيضاً ويلعبن دور السعادة، "يمسحن الجوخ"، تلك السعادة التي تنقلب غماً حتى أن تغمض العيون ليلاً، ذلك الدور كلما أتقنته أكثر ماتت روحها أكثر، وأصبحت حجراً ينتظر اليوم أو اللحظة التي ينفجر فيها، أجل الروح قد تموت وإن كانت لا تزال تتنفس.

بعضهن تشغلهن الحياة والأولاد، والصراعات الحياتية المليئة بالجمود العاطفي والروتين اليومي، النجاح في العمل والتعليم ولربما السفر.

صدقوني بعضهن ينشغلن بمشاكل غيرهن وحلها وأحيانا فضحها أكثر، بعضهن يبحثن عن السعادة بأماكن أخرى، الأصدقاء، المطاعم، الأجواء الجنونية، الرقص، الغناء بصوت عالٍ، الطبخ، والطلبات البيتية.

بعضهن يسلحن أنفسهن بالإيمان، يتغاضين عن الدنيا من أوجاع وآلام، يدعون للهداية، وينتظرن.

بعضهن يتمردن، والتمرد ليس دائماً يحمل معاني جيدة، لكن هؤلاء لديهن القوة والظروف المناسبة لأن يقولن لا، وألا يقبلن بالحلول الوسطى، "إما كل شيء أو لا شيء".

التمرد قد يكون محاولة التغيير وإيجاد الحلول، حب آخر، طلاق، انتحار، خيانة، ضياع في المفاهيم والممارسات، والأقوى بينهن، كل فتاة تعترف بأنها ليست سعيدة وأنها وحيدة، وأنها لن تقبل ذلك، فتعلن الحرب بشرف حتى وإن خرجت مهزومة، كان لها شرف المحاولة ولربما تكرار المحاولة.

بعضهن قد يجمعن أكثر من احتمال في آن واحد، لست متشائمة، فلا أستطيع أن أنكر أن بين كل هذه العواصف الداخلية التي تمر بها كل فتاة أو أغلب الفتيات هنالك لحظات جميلة حقاً، وهنالك ذكريات قد تشفي عطش الروح كلما بحثت عن ملجأ، والحقيقة أن الرجل أيضاً لا يملك مفاتيح السعادة وهو ليس بفارس يشهر سيفه كلما دمعت عينا حبيبته، هو أيضاً إنسان يبحث عن ملجأ وعن الأمان وعن السعادة.

تلك السعادة التي قد نستشعرها، أحياناً ولربما دائماً، ولكننا أبداً لا نستطيع أن نلتقطها؛ لتكون لنا وحدها، لا نستطيع أن نتملكها، رغم أننا نعيش ببيوت مزخرفة بأشكال من الحزن.

لكن الرجل إن أحبته فتاة جعلت حياته جنة، وفي أوقات أخرى جحيماً؛ لأنها ستحبه كثيراً، ستترجم هذا الحب كل يوم وبكل الطرق، لربما تقلب نفسها إنسانة أخرى، وتفعل أشياء لم تعتَد على فعلها، قد تصبح جنية (هههه)، في المقابل ستطلب أن يحبها بجنون لربما أن يجعل منها كل يوم مقدسة؛ لذلك سيكون من السهل أن تحزن وتتألم، كلما نسيها أو شغلته الحياة عنها، وأقصد هنا أن ينشغل عن تفاصيلها وتفاصيل يومها، ليس فقط كلام الحب والغزل الجميل، أن ينشغل عن كل ما تحب وكل ما تكره، أن ينتقص منها ومن روحها، وحتى جسدها.

والصحيح هنا أن الحب مع الوقت قد تتغير معالمه فلا يصبح بشغفه السابق، لكن يصبح هنالك احترام متبادل، خوف متبادل، آمال، وأحلام متبادلة، وذلك جيد، ولكن هنا الفتاة قد تفقد أجمل ما تملك، "الشغف"، الاهتمام، الدقة في الاهتمام، الحب المعجون بالتفاصيل، الدقة في التفاصيل، ولن تشعر بذلك كل الوقت؛ لذلك ستمر بلحظات سعادة، حتى تطبق على روحها فجأة، وتلك كارثة، حتى دموعها لن ترى، حينما تسقط من قلبها.

إن كان هنالك رسالة ما للرجل، فهي ألا تعِد بكلام لا تستطيع فعله، لا تتحدث وكأنك سوبرمان حتى لا تقع على وجهك، لا تملأ عقلها بأشياء لن تحدث، كن واقعياً معها، لا تتحدث عن الحب غداً أو بعد غد، تحدث عن الحب اليوم، وعن الحياة اليوم، وعن الأحلام اليوم، اسألها عن حالها، ركز فيما تريد، كن مستمعاً جيداً لها.

بعد مرور أعوام من العلاقة الجميلة والحب، الفتاة تصبح بحاجة للاهتمام بقدر الحب، وحتى أكثر بكثير، حتى إنها تصبح تؤمن بأن الاهتمام أجمل من الحب أو تكتمل العلاقة به، كن مخلصاً لها، فتصبح ملء عينيها وبصرها في الحياة، إن استطعت.

هذا لا يعني أن الرجال سيئون، لكنهم حينما يفقدون التفاصيل التي تحبها الفتاة، ويتحججون بالحياة ومشاغلها يصبحون كذلك، أجل الرجل لا يدقق في التفاصيل ولا يحبها، وتلك من مساوئه.

بعد انشغاله عنها ليومين، عاد باتصال هاتفي، اول كلمة قالها أحبك، ابتسمت ابتسامة حزينة، ردَّت: وأنا أحبك أكثر.
سألها: كيف حالك؟
قالت: على "أحزن" ما يكون.
ردَّ قائلاً دون أن يركز في كلامها: إن شاء الله دائماً،
ثم قال: أحبك كثيراً، وأغلق الهاتف، وبمعنى مجازي آخر، بصق في وجهها بالهاتف!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.