المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Sabah Hamamou Headshot

"موقعة الجمل".. مالا يجب أن يُنسى!

تم النشر: تم التحديث:

تقول الكاتبة التشيلية الشهيرة ايزابيل الليندي.. " اكتبوا ما لا يجب أن يُنسى"!
الكتابة بالنسبة لي هي إحدى الأسلحة التي أستعين بها لمواجهة الخيانات الواقعة والمتوقعة للذاكرة.
هذا المشهد تحديدًا لا أريد أن أنساه، لا أريد ذاكرتي أن تخونيني فيه.
أريده أن يبقى حيًا، أريد المشاعر التي أحاطت بقلبي ليلتها - والتي تعود إليه الآن وأنا أنقر هذه الحروف - ألا تختفي خلف ضباب السنوات القادمة.
ليلة "موقعة الجمل" ومشاهدها!

***

ليلة "موقعة الجمل" كنت أبيت بمكتبي الذي يبعد دقيقتان سيرًا على الأقدام من ميدان التحرير.
قبل قيام الثورة بأيام قليلة قمت باستئجار هذا المكتب في عمارة "الرواس" الشهيرة التي تطل علي ميدان "عبد المنعم رياض"، الذي يحد "ميدان التحرير" من الشمال.

زميل صحفي يعمل بالولايات المتحدة اشتراه ليدير نشاطًا به في المحاماة. وكنت أبحث أنا عن مكان لمشروع مهني أود أن أبدأه - "دار حاء" للنشر التي تأسست في القاهرة بعدها بعامين-، سمح لي زميلي أن أستأجر مكتبه بثلث الثمن المستحق لأنه أجل خطته في العمل.

ومنذ ليلة الخامس والعشرين من يناير، وبعد أن باتت العودة لمسكني كل ليلة أمرًا صعبًا بسبب حظر التجول صرت أقيم فيه.

ليلة موقعة الجمل غادرت الميدان قرابة السابعة مساء لأذهب وأستريح في المكتب حتى الصباح .. لكن الهجوم كان بدأ قبلها بيوم على الميدان والقلق في أوجه من هجوم آخر محتمل، تصاعد القلق لأوجه مع خروج تغريدات لمن كنت أتابعهم عن هجوم وشيك على الميدان.

أطللت من النافذة حوالي الحادية عشر مساءً، ورأيت كل شئ رأي العين. مجموعات منظمة تحمل الحجارة في اتجاه الميدان، إذن ليس الأمر إشاعات، هجوم وشيك يدبر أمامي، وأبرياء سوف يضارون، ماذا على أن أفعل؟

منذ قليل تركت صحبتي في الميدان، منهم زميلتي في المصري اليوم منى ياسين وزميل آخر لا تسعفني الذاكرة باسمه،.. وأطفالًا ونساء.
تلبسني الرعب وأنا ونافذتي نشهد جريمة مدبرة يتم التحضير لها، أسقط في يدي، صرت أتنقل من بين النافذة وشاشة الكومبيوتر مذعورة!

أرسلت رسالة لزميل صحفي كان يعمل وقتها في واشنطن أستغيث به، لعله يستطيع تمريرها لوسائل إعلام أو أصحاب نفوذ أو يفعل بها أي شئ.. لكن قلة حيلتي لم تختلف عن قلة حيلته، نشرها الزميل على صفحته .. وتوقف عن مراسلتي.

أعدت إرسال الرسالة لزميل أمريكي كان يعمل وقتها في "الهيومان رايتس واتش".. أجابني أنه سوف يحاول أتمريرها لمن يستطيع أن يفعل شيئا.

لم أهدأ، مشاعر متضاربة أخذت تضرب قلبي، قلة حيلة، حزن شديد، هلع، قلب منخلع على أناس أبرياء يقفون الآن في مساحة عامة في بلادهم لم يرتكبو جرمًا، وتدبر لهم جريمة قتل متعمدة.

كان المكتب في الطابق العاشر، قررت أن أحاول أن أنزل للشارع علني أجد عناصر"أمن" أستغيث بها لعلها توقف تدبير البلطجية القتلة وجريمتهم التي كانت تصنع بليل.

نزلت إلى بهو البناية لتنسج الحياة مشهدًا لن أنساه، حريٌّ به فقط أن يكون في الأفلام التي نشاهدها في السينما.

في بهو البناية كانت مجموعات من أفراد القوات المسلحة التي كانت تتمترس علي حدود الميدان تنام ليلتها في البهو، وقتها لم أْعرف تمامًا ماذا أفعل، هل أخبرهم باالكارثة ومنهم من يقف خارج البناية يرى ما يحدث وييسر مرور البلطجية كما رأيته من نافذتي قبل النزول للبهو؟

هل أصرخ فيهم لعلهم يفعلون شيئا وأذكرهم أنهم أقسموا علي حماية هذه الدماء التي توشك أن تُسال؟
هل يفعلون بي سوءًا؟ هل لو طلبت منهم السماح لي بالمرور إلى الميدان من بوابة البناية يتهموني بمخالفة حظر التجول وأتعرض للاعتقال؟

التبست عليّ المساحات لم أعد أعرف في أي مساحة أقف أنا وفي أي مساحة يقفون هم!
جررت خيبتي وغضبي ورعبي وعدت إلى الطابق العاشر دون أن أنطق.
ليلتها كنت أنظر إلى السماء، وددت لو أمدُ يدي إليها لأحضر النور عنوة، فلعله يكف أيدي الجناة الذين يرتكبون جريمتهم مستترين بظلام الليل.

"كربلاء المصرية" حتى تعددت " الكربلاءات" !

قيل عن هذه اليلة "كربلاء المصرية"، لأنها كانت أول هجوم دموي يسقط فيه هذا العدد من الشهداء بعد ليلة 28 يناير الدامية، "موقعة الجمل" أسفرت عن وقوع 11 شهيد و2000 مصاب. بالطبع قبل أن تتعد "كربلاءتنا"!

أتى الصباح.. وللأسف لم أستطع اللحاق بالميدان الذي كانت تتحلق حوله جحافل المأجورين ممن حشدهم النظام لمحاولة إفراغ الميدان.

لاحقًا سوف أري في إحدى فيديوهات توثيق الموقعة "زميل" غير صحفي في المؤسسة التي كنت أعمل بها في هذا الوقت، وهو يشير وييسر دخول " الجمال" إلى الميدان.

ولاحقًا سوف يُنشر خبر أن الحجارة القاتلة التي استخدمت في الموقعة تم نقلها في سيارات تابعة لنفس المؤسسة القومية. وسوف يكذب هذا الخبر.
ولاحقا سوف يتم تشكيل ما يسمي " لجنة تقصي حقائق" لمحاولة الوصول للمجرم وعقابه.

لاحقًا ولاحقًا ولاحقًا ... سلسلة سوف تصل بنا إلى اللحظة الحالية، حيث ليس فقط لم يعاقب مجرمًا واحدًا من الذين دبروا الجريمة، بل زادت جرائمهم.

جرائم الذين دبروا الجريمة، وجرائم الذين ارتكبوا الجريمة، وجرائم الذين وقفوا شهودًا عليها "يحمون" الميدان - رسميا المدنيون المصريون الذين اعتصموا في ميدان التحرير منذ ليلة 28 يناير/ كانون الثاني "مفترض" أنهم كانوا في حماية القوات المسلحة المصرية التي تمترست حول حدود ميدان التحرير من جميع الاتجاهات منذ ذلك التاريخ -
نعم بعدت المسافة بيننا وبين المساحة التي كنا نطلب فيها القصاص من هؤلاء المجرمين لكل هذه الجرائم.
لكن بات لنا سلاحًا أخيرًا في ذاكرتنا.

ألا ننسى، وأن نكتب ما لا يجب أن يُنسى!

***

حقائق لازمة:

"موقعة الجمل" : تسمية تصف الهجوم المسلح الذي تم في 2 فبراير/شباط 2011 وقامت به مجموعات مسلحة من المواطنين المصريين على مواطنين مصريين آخرين عزل كانوا يعتصمون في ميدان التحرير. هجوم تم على طريقة العصور الوسطى استخدمت فيه الجمال والبغال والأسلحة البيضاء وسقط في هذه المعركة 11 قتيل وجرح 2000 من متظاهري ميدان التحرير. وتوصلت لجنة تقصى الحقائق إلى أن عناصر من النظام الحاكم هي من دبرت المعركة لإجبار معتصمي "ميدان التحرير" علي مغادرة الميدان، و ووجهت الاتهامات بصورة واضحة إلى عضو مجلس الشعب السابق وعضو الحزب الوطني عبد الناصر الجابري بتدبير الموقعة. غير أن محكمة مصرية قامت بتبرئية جميع المتهمين في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2012.

( قامت الكاتبة بتوثيق أحداث ثورة 25 يناير على قناتها الشخصية وصفحتها)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.