المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Sabah Hamamou Headshot

الموت يُنهي الخصومة لكنه لا يمحو التاريخ .. زويل في ذمة الله

تم النشر: تم التحديث:

.. لأنه ببساطة كيف يمكن أن تستمر خصومة مع من رحل؟ الموت يوقف المعارك مع الأشخاص على الأقل.

أليس كذلك؟

لكن هل يمحو الموت التاريخ؟ يمكن للتاريخ أن يكون وجهات نظر لا يتفق عليها الكل، لكن ثمة وقائع تاريخية لن يستطيع أحد إنكارها إختلف الناس أو اتفق حول دوافعها ونتائجها.

أؤمن أن التاريخ كائن أعور العين؛ لأن التاريخ يكتبه بشر، والبشر يفضلون غالباً أن يفقأوا أعينهم بأنفسهم، ليروا الأمور من وجهة نظر واحدة.

التاريخ يجعل السفاح منقذاً للأرواح أحياناً، ويجعل البريء إرهابياً، والإرهابي ناشراً للعدل والحرية والديمقراطية أحياناً أخرى.

***

مات زويل، رجل في السبعين، باحث في الكيمياء وأستاذ في جامعة أميركية مرموقة، وُلد في إحدى بلاد العرب تسمى مصر، حقق إنجازاً علمياً غير مسبوق، وحصد التقدير والجوائز من العالم أجمع.

في عالمنا العربي.. نشعر بهزيمة روحية لا نستطيع إنكارها -أو على الأقل هذا ما أظنه- عصور من الاستعمار وكفاح مرير من شعوب تتوق للحرية جابهت أمواجاً عاتية من الظلم والطغيان، وبدلاً من أن يؤدي بها الطريق إلى شواطئ الحرية انتهى بها الحال إلى حقب أخرى من الاستبداد.

حلَّ فيها المستعمر الداخلي محل المستعمر الخارجي، تغيرت فيها ثياب الجنود والعلم الذي يرفعونه، وبقي القهر والفساد وقمع الحريات، وعندما حاولت هذه الشعوب مرة ثالثة أن تفلت من هذا المصير أصبحنا فيما نعايشه الآن فيما بعد الربيع العربي.

في ظل هذا.. كيف لنا عندما يحقق باحث عربي إنجازاً علمياً تاريخياً إلا أن نحتفي به ونرفعه فوق الهامات..

zewail
زويل مع أبناءه بعد تسلمه جائزة نوبل في الكيمياء

في ظل كل الظروف التاريخية السابقة أصبحت قليلة هي الإسهامات التي يقدمها العرب أو من أتوا من أصول عربية ككتلة بشرية تعيش على هذا الكوكب لبقية جيرانهم الذي قدموا اسهاماتهم !

وفي ظل هذا عندما يرحل زويل لا أكون مستغربة دعوة عالم الفضاء المصري الأميركي عصام حجي إلى أن تعلن مصر الحداد ثلاثة أيام، وأن تصمت الجامعات المصرية دقيقة حداداً على روح عالمنا الجليل أحمد زويل.

لكن ما حدث كان مغايراً، وفاة زويل أججت جدلاً واسعاً بين المصريين والعرب، ولم تلق فوق روح الراحل الرحمات التي يستدعيها إنجازه العلمي بل كثير من الدعوات غير الطيبة

لماذا؟

لأن البعض يفضل دائماً أن يفقأ عينيه ليكتب تاريخاً أعور، البعض ممن خاصم زويل تعامي عن زويل العالِم، ورأي أن مكانة العالِم الجليل زالت عندما زلَّ زويل في موقفَين تاريخيَّين مخجلين:

الأول: عندما أراد زويل إنشاء "مدينة زويل للعلوم" في مصر، وسعى أثناء ذلك إلى هدم مشروع مصري آخر كان بالفعل قد وُلد، هو "جامعة النيل"، ودخل في معركة مع باحثين وطلاب وأساتذة؛ ليقوم بضم الأراضي والمباني التي أُقيم عليها مبنى جامعة النيل باتفاق سياسي تم في ظروف مصرية استثنائية ومع رئيس الوزراء المصري الأسبق أحمد شفيق.

ورغم اعتراض جامعة النيل اعتراضاً وصل إلى الاعتصام، استخدم "زويل" علاقاته بالنظام المصري، وانحازت له قوات الأمن ضد طلبة وأساتذة جامعة النيل وقامت بسحلهم واعتقال 5 منهم في 17 سبتمبر 2012، ولمن يود أن يستزيد في التفاصيل أن يقرأ هنا.

أما الموقف الثاني: تأييد زويل المطلق للنظام السياسي الحالي في مصر، وخروجه بمقالته الشهيرة التى يطالب الولايات المتحدة في واحدة من أوسع الجرائد الأميركية بأن تدعم وتساند عبدالفتاح السيسي، قائد الجيش المصري، الذي قام بانقلاب عسكري ضد رئيس منتخب، وقاد بلاده لأسوأ حالاتها، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الحريات، ولم يكن صعباً فهم موقف زويل إذا عرفنا أن النظام المصري قرر دعم مشروع زويل بمنحه أراضي له بعد قرار المحكمة بإعادة أراضي ومباني جامعة النيل لطلابها وأساتذتها، بل قدم الجيش المصري دعماً ملموساً لمشروع زويل.

zewil

أما الذين مجّدوا زويل فلم يروا فيه سوى العالم الباحث المجتهد الملهم صاحب الانجازات والحائز على نوبل وتعاموا عن مواقفه في تأييد نظام سياسي مستبد، تأييد لا يمر مرور الكرام إذا جاء من عالم له ما لزويل من مكانة دولية، تأييد قد ينعكس سلبًا بصورة أو بأخرى على حياة الآلاف والملايين الذين يعيشون في ظل هذا النظام.

***

في كل الأحوال.. رحل زويل، رحل بثوب واسع من الإنتاج العلمي والبحثي وأكاليل الغار من التقديرات العلمية الدولية تزين رأسه.

لكن هذا الثوب الناصع الفضفاض ستبقى عليه بقعة داكنة من التأييد المطلق لقائد جيش ارتكب مذابح في حق الإنسانية قبل أن تكون في حق بني وطن زويل، واستولى على الحكم في مصر بانتخابات وهمية ووصل ببلاده إلى مستوى من الانحدار غير المسبوق.

وبقعة أخرى في محاولته هدم كيان علمي ينتفع به آلاف الطلاب والأساتذة من أجل أن يبني هو صرحه ويخلد اسمه.

للذين يخاصمون زويل لمواقفه السياسية: رحل زويل.. الموت أنهى خصومتكم.
وللذين يمجدون زويل العالم الجليل: الموت لا يمحو التاريخ، سيبقى التاريخ يذكر زويل بإنجازاته العلمية، ويذكره أيضاً بتأييده للقمع والقتل والفساد وانتهاك الحريات.

وعند الله تجتمع الخصوم.

ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.