المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Sabah Hamamou Headshot

قصة مرض "ميناماتا" الغريب الذي أصاب متظاهري 30 يونيو!

تم النشر: تم التحديث:


مشهد (1)

اليابان 2009

عند مغادرة اليابان بعد زيارة 3 أسابيع لم تكن مدينة هيروشيما الشهيرة بمأساتها المعروفة هي أكثر ما أتذكره من الزيارة، بل مدينة أخرى اسمها "ميناماتا"، معروفة بالمرض الذي انتشر فيها منتصف القرن الماضي، نتيجة قيام بعض المصانع بصرف مياهها التي تحتوى على الزئبق الحاد في نهر "ميناماتا".

فتك المرض اللعين، الذي لم يُعرف من قبل في المدينة الآمنة، بأجساد سكانها وحياتهم، كانت أعراضه بادية على مَن أوقعه حظه العاثر في الإصابة به، الترنح وخدر اليدين والقدمين والضعف العام في العضلات والضيق في مجال الرؤية وتلف السمع والنطق.

كانت الفيديوهات التي شاهدناها للمرضى في أحد المراكز التي أقامتها المدينة "لتخليد ذكرى" المرض محزنة للغاية، وهم يرتعشون بشدة ولا يتحكمون في أجسادهم.

سألت نفسي سؤالاً لا أنساه؟ لماذا يخلد اليابانيون الألم؟ ما الذي يجعلهم يدفعون أجيالًا لم تعاصر المرض لرؤية توثيقًا واضحًا لآلام الأجيال السابقة؟

جاء الرد من بعض المرافقين لنا: "الأخطاء المؤلمة تقع، نحن نخلدها حتى لا نقع فيها مرة أخرى وحتى نحمي القادمين من الوقوع فيها".

مشهد (2)

القاهرة 2013

لا أعلم لماذا زارتني اليوم مشاهد مرضى "ميناماتا" في ذكرى مظاهرات 30 يونيو/حزيران "المجيدة"، هل لأن ما أصابنا وقتها في صيف 2013 يشبه بصورة أو بأخرى مرض "ميناماتا" الياباني؟

لم أكن ممن شاركوا في المظاهرات، لكني وقعت الوثيقة الملعونة، "تمرد"، التي وقعها ملايين، وكان من ضمن مَن قاد حملتها مَن يقفون الآن بكلمة واضحة ضد الظلم الطاغي في البلاد، فماذا أصابنا وقتها؟

كانت الرؤية ضبابية، لا نسمع تقريبًا إلا ما نريد، وننطق بما لا نعيه أو بما لا نعي آثاره الكارثية، ضاقت الرؤية وتلف السمع وترنحنا تمامًا كمرضى "ميناماتا" اليابانية.

لم يكن الزئبق الحاد هو الذي أدى لهذه الحالة في بر مصر وقتها، لكنه سمّ من نوع آخر، ربما أكثر فتكًا، سمّم أرواحنا وعقولنا وضمائرنا، فلم نعِ ما نحن مقدمون عليه - نحن هنا تشملنا جميعًا جميع التيارات السياسية في مصر، من آمن بالثورة ومن كفر بها، من ساندها ومن حاربها الإسلاميون والليبراليون واليسار والمؤيديون والمعارضون - .."الإعلام" .. ذلك الزئبق الهوائي الذي كان أشبه بأسلحة الدمار الشامل لعقولنا وأرواحنا، والذي جعل كل فريق يرى وجهة نظره هي الصحيحة والآخرين هم العدو الذي ربما لا مانع من التخلص منه لحماية البلاد.

على مدى شهور طويلة تحولت السخرية - وهي واجبة كما أراها من أي حاكم ظالم - إلى "كراهية" تبثها جميع وسائل الإعلام مرئية ومكتوبة وحتى على حساباتنا الشخصية تورّطنا فيها، ضحكنا ممن كان يبث الكراهية باسم السخرية في صدرونا.

كان الزئبق السام يبث في عقولنا ويصل إلينا دون أن ندركه كما كان الزئبق السام يبث في مياه النهر هناك في اليابان.

خرجت مظاهرات 30 يونيو في مثل هذا اليوم تطالب بإسقاط النظام الحاكم في مصر، وحدث الانقلاب العسكري في 3 يوليو/تموز وانقلبت حياتنا كلنا رأسًا على عقب، المؤيديون والمعارضون الناصحون والشامتون.

لا أعلم لماذا يتجاور مشهد المصابين بـ"ميناماتا" اليابان ومشهد الذين تصوروا أن مظاهرات 30 يونيو سوف تنقذ مصر في مخيلتي الآن.

بالتأكيد ليس لاجترار الأحزان، لكن لأن الفكرة تنقر رأسي الآن، ألا يمكن أن نقيم متحفًا لخطايانا؟

تقف كل مجموعة وتحجز لنفسها مساحة فيه وتضع أخطاءها لتتأملها، وليتوقف الجميع عن حلقات الشماتة التي تمر عند كل ذكرى من ذكريات أحداث السنوات الخمس الماضية. يقف الجميع ويتأمل خطايا فريقه قبل خطايا الفريق الآخر، خاصة أن لكل فريق جرحى وشهداء ومعتقلين، فهل يحدث ذلك ليصبح "ميناماتا" ذكرى بدلًا من مرض مزمنًا نعيش به ما هو قادم؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.