المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

"تيتانيك".. قراءة مختلفة

تم النشر: تم التحديث:

الكثير منكم شاهد فيلم "تايتانيك"، والكثير منكم تأثر بأحداثه، خاصةً ذلك المشهد التراجيدي في نهاية الفيلم، عندما تصرّف القدر عكس ما يشتهي العاشقان؛ إذ اصطدمت السفينة بالجبل الجليدي، فتحطَّمت، وغرق أغلب ركابها، مؤذنة بذلك بنهاية القصة، فقد مات البطل، وبقيت البطلة على قيد الحياة، من أجل أن تنقل الحكاية إلى الأجيال القادمة.

نعم، الكثير تابع الفيلم، وتفاعل مع القصة، وحزن لنهايتها، ولكن، القليل من فهم رمزيتها، وفك طلاسمها وشفراتها.
إِلاَمَ ترمز السفينة؟ إِلاَمَ يرمز الجبل الجليدي؟ وإِلاَمَ يرمز البطل وكذا البطلة؟ ولماذا بقيت المرأة على قيد الحياة في حين مات الرجل؟

كان باستطاعة المخرج أن ينقذ كلا البطلين من الموت، ويجعل للقصة نهاية سعيدة بالنسبة إلى المشاهد، إلا أنّه للأسف كان سادياً، بأن جعل النهاية حزينة، وذلك ربما لكي يرى الدموع تنهمر من عيون المشاهدين، ويبقى تأثير القصة رابضاً في قلوبهم.. لقد كان مشهداً عظيماً حقاً، وكأنّ النِّهاية تلخص كل تلك القصة الرومانسية.

هذا ما كان يتمناه المشاهد، الذي شاهد الفيلم بقلبه، ولأنّ الموقف عظيم، فهو لم يستطِع أن يتحكم في عواطفه الجياشة، فاستسلم للحزن والدموع؛ لأن الإنسان بطبعه يريد النِّهايات السعيدة في كلِّ شيء، حتّى ولو كانت مجرد تمثيلية، مع أنّه يعلم أنّ الحياةَ سعادةٌ وشقاءٌ، وأكثر لحظاتها شقاء وأسى.

قد تكون السفينة رمزاً لعالم الغرب، الذي قسّم العالم إلى طبقتين؛ طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء، يعيش الأغنياء في أعلى السفينة، في حين يعيش الفقراء في أسفلها. حياة الأغنياء معقدة جداً؛ حيث الحديث عن المال والشركات والصفقات.. حيث الحفلات الصاخبة والاهتمام بالجسد واللباس.. حيث الاستغلال واحتقار الضعفاء.. عالم لا مكان فيه للطيبة والعلاقات الإنسانية، أنت موجود إذا كان لك مال، حتّى الحب مبني على الاستغلال، فتلك الفتاة الجميلة والبريئة لم تقبل بذلك الرجل زوجاً مستقبلياً؛ لأنها تؤمن بذاتها، كإنسان، واستقلال إرادتها، رافضة أن تكون سلعة تخضع للمساومة والمفاوضة، ولكن لأن والدها في ضائقة مالية، فقد قبلت الزواج مكرهة، حتى تنقذ والدها من السجن.. في عالم الأغنياء، كل شيء معروض للمساومة بما في ذلك الزواج الرباط الإنساني المقدس.

أما عالم الفقراء، فهو عالم البساطة.. عالم الفرح والجذل، والقناعة والإيثار، كما أنّه عالم الحب البريء.. كل النّاس يعيشون أيامهم ببساطة، وبعرق جبينهم، نعم، قد تكون الحياة صعبة وقاسية، لكنها ممتعة وجميلة، فتجد، مثلاً، تلك الفتاة الغنية التي تعيش في أفخم القصور، وتأكل ألذ الأطباق، وترتدي أجمل الثياب، عندما نزلت إلى العالم السفلي تعلقت به من أول لقاء، وأصبحت تزوره خفية؛ لأنّه، باختصار، عالم لا مكان فيه للخيانة والنّفاق.

إذاً، ترمز البطلة إلى عالم الأغنياء، ويرمز البطل إلى عالم الفقراء، وكأنّ المخرج يحاول تذكير الغرب بأن في العالم طبقتين، وسيبقى الصراع بينهما إلى الأبد، تذكير ولوم، تذكير لأنّ الغرب يعمل بكل ما أوتي من قوة على محو هذه الطبقة؛ إذ قتل فيها روح المقاومة والنضال، اعتقاداً منه أن الفقر حالة طبيعية في حياة الإنسان. ولوم بأنك أيها الغرب من تصنع الفقر في هذا العالم، وتزيد من عدد فقرائه، وذلك نتاج سياساتك الظالمة، ونتاج قهرك وجشعك.. فأنت أيها الغرب تتحمل المسؤولية الأخلاقية عن هذا الوضع المأساوي.

من جهة أخرى، ترمز الصخرة الجليدية إلى ذلك المصير المأساوي، الذي ينتظر البشرية، لا فرق في ذلك بين فقراء العالم وأغنيائه؛ لأنهما في مركب واحد، وفي مواجهة مصير واحد، فالحضارة الغربية، القائمة على الظلم والقهر والاستغلال، تقود البشرية إلى الانتحار الكوني، كـ"سفينة تيتانيك"؛ لأنها تسير في مسار واحد، فهي لا تراجع سياساتها، ولا تسمع نداءات الآخرين، كما أنّها لا تحاول اختراع البدائل الكفيلة بتصويب المسار وتصحيح الأخطاء.

وعلى الرغم من أن السفينة تظهر من الخارج، وكأنها سليمة من العيوب، وخالية من العطل، فأضواؤها متوهجة، ومصابيحها مشتعلة، ومحركها سليم، فإنّها تُخفي أدوات دمارها، فكذلك الغرب فهو يتصنع أنّه بخير، وفي صحة وعافية، ولكنه يحمل بذور دماره، من خلال الأزمات العالمية، التي تعصف بالبشرية، ويحاول، أي الغرب، تأجيل حلها في كل مرّة، أزمات تكبر كما تكبر كرة الثلج، حتّى تصبح صخرة جليدية، أو بالأحرى، جبالاً جليدية، كما عددها "جاك أتالي" عند تحليله للفيلم، فهناك "جبال مالية، ونووية، وبيئية، واجتماعية"، وقد أضاف عالم الاجتماع البولندي "زيغمونت باومان" في كتابه "الخوف السائل" إلى هذه القائمة "جبل الإرهاب أو جبل الأصولية الدينية".

على هذا الأساس، يقدم "جاك أتالي" رؤية تفسيرية حول تيتانيك قائلاً: "تيتانيك: هي نحن، إنها مجتمعنا الغربي المعتز بثقافته، والفخور بعظمته، مجتمعنا الأعمى المنافق الذي لا يرحم فقراءه، مجتمع يتوقع فيه كل شيء إلا وسائل التوقع.. إننا جميعاً نظن أنه يوجد جبل جليدي عائم، ينتظرنا، يتربص بنا في مكان ما في المستقبل الضبابي، وسنصطدم به، وسنغرق في أصوات الموسيقى".

إذاً، ظلم وقهر، جبال جليدية ومستقبل ضبابي قاتم، وفي الأخير غرق محتوم، ومع ذلك لا أحد يمتلك الجرأة والجسارة، مندداً ومعترضاً، من أجل إيقاف هذا الخطر المحدق، ومن أجل تصويب المسار لإنقاذ البشرية، ومن امتلك ذلك، فستطاله، حتماً، لائحة الاتهامات الخطيرة.

ولكن الأسئلة التي تطرح هنا هي: لماذا عبّر المخرج عن هذا المصير المأساوي بقصة حب؟ هل يكون الحب ترياقاً لإنقاذ البشرية من هذا المصير؟ ولماذا جعل المرأة رمزاً للغنى، المرأة التي تمردت على عادات وتقاليد الأغنياء من أجل الفوز بفارس أحلامها؟ هل ما يحتاج إليه العالم اليوم هو النعومة بعدما عجزت القوة عن تحقيق مرادها؟ وهل ما يحتاج إليه هو لغة الحب وليس لغة الحرب والتخويف؟

قد يكون المخرج "جيمس كاميرون" أراد إعادة الزمن الكلاسيكي الجميل، لما كان يُعبّرُ عن الظلم السياسي والاجتماعي بقصص الحب، الحبُّ الذي يجد أمامه عوائق ومثبطات حتّى لا تتم القصة وينتهي الحب.

فالحبُّ، قبل أن يكون علاقة بين شخصين مختلفين، هو علاقة روحية يترفع بها المُحبان عن عالم المادة إلى عالم المُثل، عالم لا مكان فيه للأحقاد والضغائن.. عالم يؤمن بإنسانية الإنسان وقداسته في هذا الوجود، بغض النّظر عن كم يملك؟ وماذا يملك؟ قد تجد هذه المشاعر الرقيقة في العالم السفلي أكثر؛ حيث البساطة والطيبة.

هذا التفسير يقودنا إلى السبب الذي جعل المخرج يختار البطلة من عالم الأغنياء، فالمرأة، بالرغم من عيشها في العالم العلوي، وتأثرها بحياة الرغد والنعيم، فإنها تمتلك "فائضاً من العواطف الرقيقة" من حنان وحب تجعلها تقاوم الشّر الرابض في النّفس، وبذلك تتغلب على القسوة والحقد تجاه الضعفاء، فتمد لهم يد العون والمساعدة، وتغدق عليهم بالرحمة والحنان.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.