المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

نهاية الرجل الأبيض

تم النشر: تم التحديث:

لـ"نعوم تشوميسكي" المفكر الأميركي الشهير قراءة مختلفة للانتخابات الأميركية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض بفوزه على المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، النتيجة التي أحدثت صدمة كبرى في العالم، وفزعاً غير مسبوق في قلوب حلفاء أميركا ناهيك عن أعدائها.. فقد قُدمت قراءات كثيرة للأسباب التي مكنت دونالد ترامب من تحقيق هذا الانتصار، وهو الذي لا يملك رصيداً سياسياً ولا عسكرياً؛ إذ لم يدخل برلماناً ولم يدخل حكومةً ولم يقد حرباً.

لخَّصها الكثير من المحللين في الخطاب الشعبوي الذي انتهجه، وفي عزفه على الوتر العنصري عندما أعاد معزوفة الرجل الأبيض المتفوق، أضِف إلى ذلك أن الشعب الأميركي سئم سياسات الحزبين التي لم تخدمه بقدر ما كانت في صالح الطبقة المسيطرة على المال والسياسة.

إلا أن نعوم تشوميسكي يقدم تفسيراً مغايراً لهذا الحدث؛ إذ يرى أن لهذا الأمر أبعاداً وجوديةً أعمق، فصعود ترامب يرجع في جانب منه إلى حالة الخوف التي تعتري الرجل الأبيض جرّاء النقص المتزايد في نسبة المواليد، وبالمقابل ارتفاع معدل الوفيات، في هذا الصدد يقول: "إن صعود نجم ترامب في سماء السياسة الأميركية يعود في جانب منه إلى الخوف والشعور بالعجز الذي أحدثه ارتفاع نسبة الوفيات في أوساط جيل من البيض غير المثقفين.

نتيجة لذلك استغل ترامب مشاعر الغضب والخوف والاستياء والعجز التي تمتلك الرجل الأبيض، وتشعره بأنه في خطر مستطير من طرف الآخر، متمثلاً، أي هذا الآخر، في المهاجرين من مسلمين ولاتينيين، فضلاً عن السود الذين هاجمهم في حملته الانتخابية بطريقة فجة.


ويدعم تشوميسكي رأيه بالدراسات التي أرجعت ارتفاع معدل الوفيات ليس مرده الأمراض الشائعة لدى الأميركيين، وإنما "بسبب الأمراض المزمنة كأمراض الكبد الناتجة عن إدمان الكحوليات والمخدرات، أو بسبب الانتحار"، أي أن السياسات الخاطئة هي التي أدت إلى هذه النهاية المأساوية، نهاية الرجل الأبيض وموته، وصعود ترامب ما هو في الأخير إلا تأكيد لهذه النهاية.

والسؤال الذي يطرح هنا هو: ما المقصود بالرجل الأبيض؟ وما مظاهر هذه النهاية في العالم الغربي بعيداً عن تفسيرات تشوميسكي واستنتاجاته؟

المقصود بالرجل الأبيض هنا هو ذلك الرجل سليل الجنس الآري، الرجل المتفوق، الذي تحمّل عبء الأجناس الأخرى من أجل تطويرها، بإخراجها من حياة الهمجية إلى المدنية، ومن البربرية إلى التحضر، ومن الضعف إلى القوة، ومن أجل ذلك انطلقت جيوشه إلى إفريقيا وآسيا وأميركا و... مستكشفة وغازية، فأبادت شعوباً، ودمرت أوطاناً، ونهبت ثرواتٍ، وارتكبت جرائمَ ومحارقَ.. هكذا كان ثمن هذه الرسالة " النبيلة".

لقد صاحب أداء هذه الرسالة عملية تحريرية للعقل؛ حيث أخذ زمام المبادرة، وأصبح معياراً للقيم، وتأسس مجتمع الحريات والديمقراطية، المبني على الحقوق وتكافؤ الفرص بغض النظر عن جنس الفرد ولونه ومعتقده، كما يقرر ذلك ميثاق حقوق الإنسان العالمي.

لذلك احتضن الغرب كل الأجناس بمختلف المعتقدات واللغات والألوان، واحتضن مختلف الأفكار والآراء، ومع مرور الوقت، تكونت مجتمعات غربية مختلطة، فبالإضافة إلى السكان الأصليين، هناك أقليات مسلمة وأقليات سوداء وآسيوية ولاتينية، أصبحت تزاحم السكان الأصليين وتنافسها، ليس في الأعمال البسيطة فحسب، بل تعدّت إلى المشاركة السياسية، إذ وصل أسود إلى البيت الأبيض، واعتلى الوزارات شخصيات سوداء في أميركا، كما اعتلت شخصيات مسلمة زمام المسؤولية في الكثير من الدول الأوروبية، وكل ذلك سوق على أن الغرب هو مثال للتعايش، ونموذج للاحترام والتسامح.

هذا ما يسوق في الظاهر، ولكن ما يعتمل في النفوس، وما تخفيه القلوب، كان ينتظر من يخرجه إلى العلن، فجاء ترامب فأخرج تلك المكنونات التي يشعر بها الغربي الحقيقي، الذي يعيش في قلق دائم من المصير الذي ينتظره.

إحساس الرجل الأبيض بالخطر المحدق، وبالتهديد الكبير، عبّر عنه الكثير من المفكرين والباحثين من خلال سرديات معروفة، لعل أبرزها خطر المهاجرين، خطر الأقليات، التهديد الإسلامي، وعبّر عنه السياسيون بحالة الاستثناء وقانون الطوارئ ودولة الأمن، وما ذلك إلا لإخفاء السبب الحقيقي الذي يتوجّس منه الغرب ويؤرقه.

قد يساعدنا هذا التفسير في فهم الكثير من التحولات والتغيرات العالمية التي حدثت وسوف تحدث؛ لأن العالم للأسف مقبلٌ على مرحلة حرجة جداً، فوصول أمثال ترامب إلى البيت الأبيض، وربما اليمين المتطرف في الكثير من الدول الأوروبية مستقبلاً، يؤذن بانتصار دولة الخوف والحرب، وانتصار للسلطوية والشعبوية، وانتصار للاستثناء، وهزيمة لدولة الحقوق والحريات والقانون.

لكن المؤكد أن انتصار كل ذلك هو دليل قوي على أزمة الغرب "الرجل الأبيض" وإفلاس أفكاره، ونفاد خياراته، وفشل سياساته، في الحفاظ على الهيمنة والسيطرة، فلكل بداية نهاية.

والمؤكد أيضاً أن الرجل الأبيض كان في بدايات تاريخه في حالة هجوم يغزو شعوباً ويستولي على أراضٍ وينهب خيراتها، أما الآن فهو يدافع عن نفسه من خلال الانكفاء على الذات، وذلك حتى يحافظ على وجوده وحياته.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.