المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

الحج: المعاني الغائبة

تم النشر: تم التحديث:

يجتمع نحو ثلاثة ملايين مسلم هذه الأيام في مكة المكرمة، لأداء مناسك الحج، والقيام بأعماله المختلفة، من الطواف بالبيت الحرام، إلى السّعي بين الصّفا والمروة، إلى الوقوف بعرفة.. و"لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أيام مَعْلُومَاتٍ" (الحج: 24)، وكلهم يتضرع إلى المولى عز وجل فرحاً وسروراً بشرف زيارة البيت العتيق، أشرف وأفضل مكان على وجه البسيطة.

مسلمون جاءوا من مختلف بقاع الأرض، من حول البحر الأبيض، والأسود، والأحمر، من شطآن المحيط الأطلسي، والهندي، والهادي، من أعماق القارات الخمس، من كل شبر يطلع عليه نور الشّمس أو تحُلّ فيه هدأة الليل، تجمعهم كلمة التّوحيد: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله"، همهم الوحيد تحصيل التّقوى، والفوز بمرضاة الله.. يلبسون زيّاً واحداً، لا فرق بين كبيرهم وصغيرهم، ولا بين شريفهم ووضيعهم، ولا بين أبيضهم وأسودهم، ويهللون بصوتٍ عالٍ ولحنٍ جميلٍ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ، وَالنِّعْمَةَ، لَكَ وَالملك، لاَ شَرِيكَ لَكَ"، كما أنّهم يقومون بنفس الشّعائر والأعمال.

يقول المفكر "علي شريعتي" في كتابه "الفريضة الخامسة": "الحجُّ في جوهره هو عملية ارتقاء الإنسان نحو الله.. وهو المظاهر الرّمزية لفلسفة خلق آدم".

وتتجلى المظاهر الرّمزية لفلسفة الحج في ذلك الاستعراض الكبير، الذي يقوم به الحاج عندما يبدأ بالإتيان بالمناسك من طواف، وسعي، ورمي للجمرات، وذبح أضحية.. فأداء المناسك وفق تلك الطريقة ما هو إلا "عرض لقصّة الخلق"، و"عرض للتّاريخ"، كما أنّه "عرض للوحدة، ولعقيدة الإسلام" وأخيراً هو: "عرض للأمة".

في الحج يترك الإنسان كل ما من شأنه أن يذكّره بتجارته أو وظيفته أو طبقته الاجتماعية أو منصبه أو مكانته.. يترك كل هذا في سبيل أن يعرج في مسالك التّزكية والتّسامي.. وأداء الحج هو دواء للنّفس من أمراض الكِبر والتّعالي على النّاس، وخلاص من شباك الحيرة المعقّدة، خصوصاً في هذا الزّمن، الذي تعددت فيه الدروب والطرق المغرية، وبالتّالي، فالحجُّ مضاد لحياة اللامعنى واللاهدف، وذلك، بأن يحدد الإنسان دربه وهدفه في هذا الوجود.

علامَ يدل هذا العرض "المسرحي" الكبير، الذي يقام مرّة كلّ سنة؟ وعلامَ يدل هذا الاجتماع البشري، الذي هبَّ إليه النّاس من كلِّ فج عميق؟ وما هي معانيه السّامية المرجوة؟

يتجسد في هذا الاجتماع البشري درسُ "الأخوة"، وتتجلى معاني "المساواة"، ويتحقق "السّلم والأمن" بين بني البشر، تطبيقاً لقاعدة حرمة المكان والزّمان.. "لا تؤذِ حيواناً ولا حشرةً.. ولتعش في سلام.. لا تقطع ولا تقلع نباتاً ولا شجرةً.. ولتنزع من نفسك نوازع العدوان، وتستأصل عوامل الشّرِّ".

للعرض المسرحي عنوانٌ كبيرٌ، ألا وهو الوحدة، وحدة القلوب والعقول، رغم اختلاف الأوطان والأجناس، وتعدد اللغات.

والوحدة إن دلّت على شيء، فإنما تدل على القوّة، والقوّة تدل على القيادة والرّيادة والحضور.

ويدل العرض أيضاً على مدى الإيمان والامتثال والخضوع لأوامر الله ورسوله، يترك المسلم أهله وبلده وتجارته من أجل لقاء الله، ويترك بيته من أجل زيارة بيت الله العتيق، امتثالاً لقوله تعالى: "وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليهِ سَبِيلاً" (آل عمران: 97)، وقوله عليه الصلاة والسّلام: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ ولَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَي حَالٍ شَاءَ، يَهُودِيّاً أو نَصْرَانِيّاً".

لكن السؤال الذي يثار في هذا الصدد: ما حظُّ المسلمين اليوم من هذه الوحدة والتّماسك.. من هذه القوّة والحضور والقيادة؟

لعلك بدل الوحدة تجد التّشرذم، وبدل التّماسك تجد الشّقاق والفرقة، وبدل التّفاهم تجد التّناحر، وبدل القوّة والتحكم في المعرفة والتّكنولوجيا تجد الضعف والجهل والتّخلف، وبدل الحضور والقيادة تجد الغياب، وحياة أقرب إلى حياة الرِّق والعبيد؛ إذ وصل بهم الحال إلى عدم القدرة على دفع الأذى عن أنفسهم، وإبعاد الخطر الذي يتهددهم في كل حين.

أرواحهم رخيصة.. وأوطانهم مستهدفة.. وثرواتهم يعبث بها العدو والصديق.

مقدساتهم مستباحة.. فالقرآن الكريم يتعرض للتدنيس والتشويه، والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم يتعرض للسخرية والإساءة على صفحات الجرائد الغربية، بدعوى حرية الرأي والتّعبير، والمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين، يتعرض للتّخريب والهدم من طرف اليهود.

والإسلام يتعرض لهجمة عنيفة وحملة شرسة من طرف أعداء هذه الأمة، للنيل منه، وللإنقاص من قيمته، فتجدهم يتحينون الفرص، للمطالبة بإلغاء بعض أحكامه، وتعديل أخرى، كإلغاء الجهاد، وكل ما يشير إلى "الولاء" للأمة الإسلامية، و"البراء" من الكفار، كما أنّهم يطالبون برفع بعض النّصوص القرآنية، التي تتحدث عن اليهود والنّصارى، مثل قوله تعالى: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" (المائدة: 78)، وقوله أيضاً: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أولِيَاءَ بَعْضُهُمْ أولِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فإنه مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" (المائدة: 51)؛ لأن هذه النّصوص وغيرها، خصوصاً تلك التي تحدد العلاقة بالآخر، سواء في حالة الحرب أو في حالة السّلم، والذي يعبّر عنه القرآنُ الكريمُ بمصطلح "الكافر" أو "المشرك" أو "أهل الكتاب"، على رأي هؤلاء تغذّى الشّباب المسلم بأفكار العنف والإرهاب، وتزرع في قلوبهم مشاعر الحقد والكراهية والعداء تجاه هذا "الآخر".

باسم الحرب على الإرهاب، ومكافحته، وتجفيف منابعه، يحاكم الإسلام وتعاليمه ورموزه، ويتم شيطنة المسلمين، والدعوة إلى معاداتهم في كل مكان، وفي بعض الأحيان إلى إبادتهم، باعتبارهم خطراً على السّلم الأهلي والاجتماعي العالمي.

المسلمون، للأسف، يعانون الأمرَّين؛ إذ أصبحوا غرباء في أرضهم، وفي أوطانهم، وهم مصدر الشّك والرّيب في دول العالم الأخرى؛ حيث يتعرضون لكل المضايقات والملاحقات من طرف رجال الأمن والمخابرات الخارجية، إذ أصبح كلُّ مسلم "إرهابياً".

أصابهم الشّلل في العقول؛ حيث أصبحوا لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم وأوطانهم بالكلمة والفكر.. أصابهم الشّلل في القلوب، فأصبحت المجازر في فلسطين والعراق وسوريا واليمن وليبيا لا تحرّك أحاسيسهم، ولا تثير عواطفهم.

فلسطين.. العراق.. سوريا.. اليمن.. ليبيا.. الصومال.. أفغانستان.. كشمير.. والشيشان، لوحة معاناة ومأساة المسلمين في الوقت الحاضر، وإذا أردت أن تبحث في زوايا هذه اللوحة لا تجد إلا الدّمار ومشاهد القتل والموت.

فإلى ماذا يرجع ذلك؟

يرجع ذلك إلى أسباب كثيرة، منها ما يتعلق بالفرد، ومنها ما يتعلق بالجماعة المسلمة، ومنها ما يتعلق بالنِّظام السّياسي الحاكم، فقد طغت علينا الأنانية، والحرص على الشيء للنّفس وفقط، وغاب عنا خُلق الإيثار والتّعاون والتّفكير في عموم الأمة، وكان من نتيجة ذلك، إن كُوفئت هذه الأمة بحكام يرضعون الذّلّ، ويرتشفون المهانة، في سبيل البقاء على كراسي الرئاسة والمسؤولية، هذا الوضع يلخصه القول المأثور: "كَمَا تَكُونُوا يُولَّى عَلَيْكُم".

ولعل الطريق إلى الخلاص من هذا الوضع المأساوي هو التّغيير، كما يريده المسلمون لأنفسهم، لا الدعوة إلى التّغيير، الذي تقدمه أميركا في كل حين، وهي لا تريد من ذلك لا إصلاح، ولا تغيير، بقدر ما تريد شعوباً خاضعة تقبل القيم الغربية، والهيمنة الأميركية.. يقدم القرآن الكريم منهج التّغيير في كلمات مختصرة: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الرعد: 11)، فالتغيير لن يُكتب له النّجاح إلا إذا بدأ بالنّفس أولاً، وكان نابعاً من الذّات ثانياً.

والحج هو مناسبة لاختبار فعل التّغيير من خلال معانيه السّامية، التي تطفو على سطح ذلك المشهد العظيم والجليل، فصوت واحد رغم اختلاف اللغات واللهجات، ولباس واحد رغم اختلاف المراتب والمقامات، ووحدة رغم اختلاف الأماكن والجهات..

ومن ثمّ، فعلى المسلمين أن يفقهوا معاني الحج السّامية، بغية إسقاطها على أرض واقعهم، حتى لا تبقى أحكامه مجرد طقوس وشكليات، يقومون بها على هيئة مخصوصة، في زمن مخصوص، وفي مكان مخصوص، وبالتّالي، الاستفادة من هذه المعاني، والعمل بكل جدٍّ للنّهوض من جديد، لأخذ زمام القيادة والرّيادة والحضور من أجل إنقاذ الإنسانية الضّائعة، ومن أجل منح الحياة المعنى المفقود، منذ أن تربّعت الحضارة الغربية، بأبعادها المادية، على كرسي قيادة العالم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.