المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

التجديد في الإسلام: ضرورة مُلحَّة

تم النشر: تم التحديث:

التجديد في الإسلام معناه إنتاج أحكام جديدة، تتوافق وتتلاءم ومتطلبات العصر، وفق ما هو مقرر في الكتاب والسنة وإنزالها على أرض الواقع.. والتجديد مطلب شرعي، وضرورة مُلحَّة، والدليل على ذلك الحديث المشهور الذي يقول: "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها".
نحاول في البداية أن نتناول في هذه الوقفة ثلاثة عناصر، وهي تجديد الدين، وزمن التجديد، ومعنى المجدد.

1- تجديد الدين: لا ينصرف معنى التجديد في الحديث إلى الدين في حد ذاته، بل هو في حقيقته تجديد، وإحياء، وإصلاح لعلاقة المسلمين بالدين، والتفاعل مع أصوله، والاهتداء بهديه لتحقيق العمارة الحضارية، وتجديد حال المسلمين.

2- زمن المجدد: يشير الحديث الذي سبق ذكره إلى أن "الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة.." وليس المقصود ما ذهب إليه العلماء والمفكرون بأن جعلوا على رأس كل مائة سنة مجدداً، وحرصوا على أن يكون في مفتتح القرن، بل تدل على حقيقة مهمة، وهي استمرارية عملية التجديد، وتقارب زمانه بحيث يصبح عملية تواصل وتوريث، وحقيقة التجديد الذاتي الكامن في الأمة، وهو يشير أيضاً إلى ضرورة المراجعة والبحث والدفع للأمل وعدم اليأس، ومما يذكره الحديث أيضاً أن الله تكفل أن يحفظ طائفة مجددة ظاهرين على الحق (إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) الحجر: 10.

3 - المجدد: اتفق العلماء على أن (من) في الحديث للعموم يشمل الفرد والجماعة، في هذا الصدد يقول المفكر حسن الترابي في كتابه قضايا التجديد "التجديد منوط بالعلماء وجماعة المسلمين، بل إن مرد الأمر في التجديد إنما هو جماعة المسلمين التي يستخلفها الله في الأرض جيلاً بعد جيل، إليهم تستند أمانة التكليف بإقامة الدين، وبهم تناط المسؤولية، وبالتالي، فحقيقة الأمر في التجديد أنّه مسؤولية الجماعة لأنّها هي المستخلفة".

عوائق التجديد:

مثال: بالنظر إلى المسائل التي أثارها في السنوات الأخيرة الدكتور حسن الترابي، كقوله بعدم جواز قتل المرتد إلا في حالة حمل السلاح، والقول بإيمان أهل الكتاب، وجواز استمرار الكتابية بعد إسلامها مع زواجها السابق من كتابي... وبغض النظر عن صحة ما قاله أم لا، فإن ردود الفعل التي لقيها من طرف العلماء والباحثين تُعبر عن مدى صعوبة ولوج هذا الميدان حتى ولو كان ممن تتوافر فيهم مواصفات الاجتهاد والبحث.

فحسن الترابي مفكر إسلامي معروف، ومناضل سياسي مشهور، جمع بين الفكر والسياسة، ولع طوال حياته بالتجديد؛ لذلك كان همه الوحيد هو إخراج الإسلام من دائرة التقليد والجمودية؛ حيث رأى أن الإسلام لن يبقى حياً في قلوبنا وحياتنا ما دام باب الاجتهاد مغلقاً، والمسلمون يعيشون على رماد الأجداد، الذي كان شعلة تضيء طريق الإنسان في أن يعيش ويحيا بالإسلام شرعة ومنهاجاً في زمانهم.

تظافرت الأسباب التي أدت إلى إغلاق باب الاجتهاد، وأصبح التقليد هو السّمة البارزة في حياة المسلمين، فمن جهة، العامل السياسي، الذي أراد أن يحجر على العقل التفكير حتى يحافظ النظام السياسي القائم على بقائه، فالنّاس منشغلون بما قاله فلان، همهم الوحيد هو قراءة ما كتب، واجترار أحكام ما حدث، وبما أن العقل يتوقف على تدعيم الواقع الجديد بما يناسبه من الأحكام، وفق ما هو مقرر في الكتاب والسنة، يحدث الانفصام بين الواقع الجديد والأحكام القديمة، وتصبح القاعدة المشهورة التي تقول: "أحكام الإسلام صالحة لكل زمان ومكان" مجرد شعار يتفوه به العلماء والمصلحون لا أكثر ولا أقل.

ومن جهة ثانية، التقليد، والتقليد ضد الاجتهاد، وهو توقف العقل عن إنتاج الجديد، وحبس نفسه في دائرة ما قيل، فيصبح دور العقل هو الحفظ وإعادة ما قيل، والتقليد، كما هو معروف، هو نتاج التّعصب، فكل جماعة متعصبة لما قاله إمامها، وكل مخالفة لما قاله الإمام بدعة، ولا بد أن ينبذ قائلها، وبهذا يصبح ما قاله الإمام في مرتبة المقدس، ربما تفوق قدسيته القرآن والسنة.

وللإشارة، فإن المسؤول عن هذا الوضع ليس هو الإمام، بل هم الأتباع الذين أحاطوا ما قاله الإمام بهالة من القدسية والتمجيد، وصلت إلى حد أن ما قاله هو الصواب، الذي يصلح لكل زمان ومكان، وفي تراث الأئمة الكبار إشارات إلى ذم هذا السلوك وإنكاره.

هل هو إغلاق لباب الاجتهاد أم انغلاقه؟

تحضرني هنا نقطة مهمة، لا بد من الإشارة إليها في هذا المقام، فهناك من يذهب إلى أنّه ليس هناك إغلاق لباب الاجتهاد بل هناك انغلاق لباب الاجتهاد، وبين إغلاق وانغلاق فرق شاسع، فلفظة إغلاق تنبئ أن هناك قوة خارجية هي التي قامت بهذا الفعل، وقد ذكرنا فيما سبق الأسباب التي أدت إلى إغلاقه، أما لفظة انغلاق فإنها تنبئ بأن توقف الاجتهاد ناتج عن فعل ذاتي، أي من العقل نفسه، فالعقل هو الذي كف عن البحث والاجتهاد، وليس مفروضاً عليه من قوة خارجية، ومن يذهب إلى انغلاق باب الاجتهاد يُحمّلُ العقل المسؤولية، فهو الذي كف عن البحث والاجتهاد، ورضي بما وصل إليه، وبهذا فإن على العقل ألا ينتظر من قوة خارجية أن تمنحه الحرية لكي يبحث ويجد، بل عليه هو أن يباشر البحث من ذاته.

في هذا الشأن يقول المفكر محمد عابد الجابري: "والحق أنّه لا أحد في الإسلام يملك سلطة إغلاق باب الاجتهاد، لا الحكام، ولا الفقهاء، ولا غيرهم، فليس في الإسلام كنيسة ولا أية مؤسسة تملك، سلطة إغلاق أو فتح باب الاجتهاد، فالاجتهاد أصل من أصول التشريع".

ويرجع سبب انغلاق باب الاجتهاد بحسب رأيه إلى أنّه "لم يعد هناك مجال للمزيد من الاجتهاد ضمن الإطار الحضاري الذي كان المسلمون يعيشون فيه، فعندما تمت تغطية جميع المشاكل المطروحة التي يمكن أن تطرح داخل نفس الإطار الحضاري، وعندما تم استثمار جميع الإمكانيات التي يتيحها النص من حيث علاقة اللفظ بالمعنى، واستنفدت السوابق التي يصح القياس عليها.. كان لا بد أن ينغلق باب الاجتهاد من تلقاء نفسه، ويعمد النّاس إلى التقليد..".
وسواء أأُغلق باب الاجتهاد أم انغلق، فإن النتيجة واحدة، وهي غياب الإسلام وأحكامه عن حياة المسلمين وواقعهم، فالأحكام المستنبطة، والتي بقيت معمولاً بها طيلة قرون وقرون فقدت فاعليتها؛ لأنها أحكام لواقع غير هذا الواقع، ولزمان غير هذا الزمان.
من خلال ما تقدم لا بد علينا أن نقرَّ أن الإسلام لن يرجع ذاتاً فاعلة ومبدعة في التاريخ ما دام باب الاجتهاد مغلقاً، وروح التجديد مفقودة.

الإسلام بين فكرين:

ولا بد أن نقر أيضاً أن هذا العصر، هو امتداد لعصور التقليد الماضية، ابتلي بنوعين من الفكر، فكر يرى بأن كل شيء لا يخضع للتغيير والتبديل، وتتساوى في ذلك الثوابت والمتغيرات أو بالتعبير القديم الأصول والفروع، وبهذا يعطي النّص، سواء أكان قرآناً أم سنةً أم تراثاً خلفه الأئمة المجتهدون، السلطة العليا ويحجر على العقل التفكير، مع أن هناك العديد من الآيات القرآنية التي تحث أولي الألباب، وذوي العقول على التعقل والتدبر، والاعتبار فيما أنزل الله إلى النّاس هدياً وتشريعاً، وإلى النظر في ملكوت السماوات والأرض، والأنفس والآفاق، منها قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الروم: 42، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) آل عمران: 91، وقوله: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُون) العنكبوت: 43، وقوله أيضاً: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ، وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) البقرة: 269.
أما النوع الثاني من الفكر، فيرى أنّ كل شيء خاضع للتغيير والتبديل، ولا فرق عنده بين الثابت، أي (الأصل)، والمتغير، أي (الفرع )، وبهذا يمنح العقل سلطة أعلى ويصبح النّص سواء (القرآني أو الحديثي) كأي نص آخر فاقداً للقدسية والسلطة الممنوحة إياه؛ لأن النّص عند هؤلاء، كأي نص تاريخي أنزل في زمن محدود، وواقع محدود، فالواقع الذي أنزل فيه النّص الإسلامي (قرآن وسنة)، هو واقع يتصف بالبداوة والبيئة الصحراوية، فلا نستطيع أن نستصحب أحكام هذا النص إلى هذا الواقع الجديد، الذي يتصف بالتعقيد والتركيب والتطور الكبير، ومدخلهم إلى هذا المجال الحدود، ولتوضيح ذلك نعطي هذا المثال، "فقطع يد السارق تدبير مبرر ومعقول داخل تلك الوضعية (الوضعية الاجتماعية)"، وهكذا فبالرجوع إلى زمن البعثة المحمدية، والنظر إلى الأحكام الشرعية في إطار الوضعية التي كانت قائمة يومئذ نستهدي إلى المعطيات التالية:

أولاً: إن قطع يد السارق كان معمولاً به قبل الإسلام في جزيرة العرب.

ثانياً: إنه في مجتمع بدوي متنقل بخيامهم وإبلهم من مكان لآخر للكلأ، لم يكن من الممكن عقاب السارق بالسجن، إذ لا سجن ولا جدران ولا سلطة تحرس المسجون، وتمده بالضرورة من المأكل والملبس.. إلخ.

إذن، فالسبيل الوحيد هو العقاب البدني، وبما أنّ انتشار السرقة في مثل هذا المجتمع سيؤدي حتماً إلى تقويض كيانه، إذ لا حدود، ولا أسوار، ولا خزائن.. ووضع علامة على السارق حتى يعرف ويحتاط الناس منه، ولا شك أن قطع اليد يلبي هذين الهدفين معاً، وبالتالي،" فقطع يد السارق تدبير معقول تماماً في مجتمع بدوي صحراوي يعيش أهله على الحل والترحال".
ومن ثم، فالأول يعطي النّص سلطة قوية، ويقوم باغتيال العقل، أما الثاني: فالعكس، فيمنح العقل السلطة الكاملة، ويغتال النّص، الأول يهتم بالشكل لا بالمضمون، بالمظهر لا بالجوهر، لذلك، تجده يتعلق بأمور غير مهمة، وينسى الأهم، أما الثاني فيحاول أن يهدم الشكل والمضمون، المظهر والجوهر، ويبني ذاته على النّموذج الحضاري الغربي دون نقد أو تمحيص، واللافت للنظر أن هذين النوعين من الفكر هما اللذان يستحوذان على السّاحة الفكرية الإسلامية، وصوتهما عالٍ، أما المنهج الوسط الذي يجمع بين العقل والنّص، والذي يميز بين الأصول والفروع، حيث جعل الأول -أي الأصول- المتعلق بالعقاب، والمقدرات من الكفارات، والحدود وفرائض الإرث، وما يتعلق بأمهات الفضائل والقواعد العامة أو أساسيات الشريعة، وكل ما ثبت من الدين بالضرورة.

أما الفروع فتشمل شؤون المعاملات، وما يقوم بين الناس من علاقات اجتماعية مثل: الملكية، والرق.. وغيرها، فالأصول هي التي لا يجوز تغييرها، أما الفروع فمن الواجب إدخال عليها التغيير بحسب ما يستلزمه من تحول الزمان، وتغير المكان، وتبدل الأعراف، وتطور الأحوال، ولديه نظرة تفاعلية مع الآخر بحيث يرى ضرورة الاستفادة من النّماذج الحضارية الأخرى، بشرط أن تتماشى مع قيمنا، وتتوافق مع أخلاقنا، وثوابتنا، هذا المنهج صوته خافت وسط ضجيج ومطاحنات النوعين الأولين، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى من يريد بالإسلام أن يبقى كنموذج تاريخي بعيداً عن اللحظة الراهنة، والواقع المعاصر، وكأن الإسلام محصور في تلك القرون المتسمة بالخيرية، وكأن الخير انقطع، وكأن دور الإسلام انتهى، وأصبح مجرد عبادات وطقوس يؤديها العبد للتقرب إلى خالقه، فكل إنسان متمركز حول ذاته، وينسى أن الإسلام دين ودولة، عقيدة وحياة، فرد وجماعة، وكل هذا الأخير يتطلب القيام بالعمل الرسالي المنوط بكل مسلم في هذا الوجود، ولن يكون إلا بإحياء علوم الدين، وبعث الحياة الراشدة، ولا يتأتى ذلك إلا بتحرير الإسلام من قفص التقليد، وذلك بالاجتهاد والتجديد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.