المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

الإنسان بين تطلعات الروح ومتطلبات الجسد

تم النشر: تم التحديث:

"غريب هو مقامنا هنا على الأرض!".. ألبرت أنشتاين.
مقولة قالها هذا الفيزيائي العظيم، بعدما بلغ من العمر عتيًّا، وغذى عقله بالأفكار الخلاقة، وذاع صيته في كل مكان، وأصبح اسمه على كل لسان، إلاّ أنّ هذا كلّه لم يوصله إلى السّعادة المرجوة التي عكف هو وغيره من الأدباء والفلاسفة الغربيين على العمل على إيجادها في العالم الأرضي، وظل إنساناً غريباً في حياته، تائهاً، متشائماً، لم يعرف الغاية من وجوده، ولا الهدف الأساسي من حياته، وهذا حال الإنسان المتعلق بالمادة، المنفصل عن الروح..

فالإنسان، كما هو معروف، عبارة عن امتزاج عنصر إلهي بعنصر أرضي ممثلاً في التراب، كما تدل على ذلك العديد من النصوص القرآنية التي تحكي قصة الخلق وبداية رحلة الإنسان في عالم الوجود.
المصدر الأرضي الذي خَلَقَ اللهُ منه الإنسان هو التراب، قد يرد بلفظ الطين مثل قوله: "إِنِي خَالِقُ بَشَراً مِنْ طِين" (ص/72)، وورد في موضع آخر بعبارة "حمإٍ مسنون"، وهو الطين المتغير لونه وريحه من طول مكثه قال تعالى: "وَلَقَد خَلَقْـنَا الإِنْسَانَ من صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مسنُون" (الحجر/26)، ومرة أخرى، جاء بلفظ الصلصال كالفخار في قوله: "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَال كَالْفَخٌارِ" (الرحمن/14)، أي خلقه من طين يابس.. والاختلاف في الألفاظ، من الطين إلى الحمإ المسنون إلى الصلصال، كما يقول علماء التفسير، هو دلالة على أن المادة الترابية التي خُلق منها الإنسان قد مرت بثلاث مراحل، وكل مرحلة تؤدي وظيفة خاصة.. "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر/49).
أما المصدر الثاني، فيتمثل في العنصر الإلهي "روح الله" الوارد في العديد من المواضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى: "فَإذَا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" (ص/72).

لقد ولّدت هذه الثنائية (الروح/الطين) في خلق الإنسان صراعاً، إن صح التعبير، بين الروح والجسد.. الروح المتطلعة إلى الأعلى، أي إلى السماء، التائقة إلى عالمها العلوي، الله، والتي تريد أن تتغذى بالإيمان النّقي، وتغترف من المعاني الروحية الجميلة، في المقابل، يتعلق الجسد بمصدره الأرضي، فيعمل على إشباع ذاته بسائر الشهوات والملذات، دون أن يعبأ بالروح أو يأبه لتطلعاتها..

ليس المقصود من هذا الكلام، كما يتبادر إلى أذهان البعض، بأنّه دعوة إلى قتل الجسد والتشبه بحياة الرهبان، الذين طلقوا حياة الدنيا، وراحوا يبحثون عن سعادتهم في الأديرة، ولا هو دعوة إلى التشبه بحياة الزهاد وغلاة التصوف، فهذا فهم خاطئ، وتحميل للنفس ما لا تطيق، فخير الأمور أوسطها، كما يقال، والدليل على ذلك ما قاله الرسول الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- لأولئك النفر الثلاثة الذين أقروا فهماً خاطئاً للدين حيث قال الأول: أنا أصلي ولا أنام، وقال الثّاني: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقال آخر: أما أنا فلا أتزوج النساء.. فأعطاهم الرسول الكريم المفهوم الصحيح، الذي يُعبّر عن فطرة الإنسان، ويتماشى مع تعاليم الدين ومبادئه، المفهوم الذي يوازن بين تطلعات الروح ومتطلبات الجسد حيث قال: "لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النّساء..".

غذاء الروح هذا، للأسف، منعدم لدى الغربيين الذين قاموا بتهميش الدين من حياة الإنسان العامة، وحتى الخاصة، واعتبروه سبباً في إضاعة الإنسان لجوهره، فالدين، كما يقولون، يقذف بهذا الجوهر في كائن إلهي خارج ذاته، وهو محض من إنتاج ضميره، واعتقدوا أنّ العلمَ قادرٌ على حل الإشكالات، ورسم كل خطوط السير في شؤون البشرية، وبالتّالي، فالإيمان قد فَقَدَ مجالاته ووظائفه، وقد آن له أن يذهب دون رجعة، وأن يرحل غير مأسوف عليه، وصارت المعادلة، إما أن تكون مؤمناً غير عالم، وإما أن تكون عالماً غير مؤمن.
ومن ثم، فإن الإنسان الذي يفَقِدُ علاقته بالسماء، يصبح تفكيره أرضيًّا، أي يبحث عن سعادته الدنيوية فقط، بإشباع رغباته الجسدية وإروائها، فأيّ فرد في الغرب يحلم أن تكون له وظيفة ممتازة، ومنزل كبير، وسيارة فاخرة، وامرأة جميلة، فهذا أقصى ما يتمناه ويرجوه، وهذا في نظره ما يجلب له السّعادة، ويحقق له الرّاحة والطمأنينة، إلا أنّه بمجرد ما يحصل على هذه الأشياء لا يجد تلك السّعادة التي كان يطمح إليها، ولا الرّاحة التي يصبو إليها، فيقوم بهدم ما بناه، وإتلاف ما حصل عليه، لأنّ هذه الأشياء أصبحت لا معنى لها في حياته.
لذلك يتعين علينا طرح السؤال التّالي: أيُّ إنسان أنتجته الحضارة الغربية؟

الحضارة الغربية، للأسف، أنتجت إنساناً بعيداً عن الله.. إنساناً محارباً يحاول إخضاع أكبر عدد ممكن من الشعوب، والسيطرة على ثرواتها.. إنساناً اقتصاديًّا متمركزاً حول الأشياء، همّه الوحيد هو الربح المادي.. إنساناً جنسيًّا متمركزاً حول شهواته وملذاته.. إنساناً محبطاً، تائهاً، متشائماً، ضائعاً، مغترباً، على حد تعبير الفيلسوف الألماني "هيغل" والاغتراب في نظره هو: "انقسام النّفس على ذاتها، وبالتّالي، عدم قدرتها على السيطرة عليها"، فانقسام النّفس على ذاتها سببه الرئيسي التفريط في تغدية الروح، مما يؤدي بالضرورة إلى تضخم الطرف الآخر.

وبناء على ما سبق، فإن عدم تغذية الروح، وذلك، بإهمال دور الإيمان في حياة الإنسان، يمنح الجسدَ الانتصارَ في صراعه مع الروح، فيتشبث الجسد بمصدره الأرضي (التراب)، فيحدث الاغتراب الذي أحسّ به "آينشتاين"، وعبّر عنه "هيغل"، ولأنّ حياة الإنسان تصبح بلا معنى، فإنّه يسعى إلى التّخلص منها بأي طريقة كانت.

كتب الإمام العظيم "ابن قيم الجوزية" عن جدلية الروح والجسد في كتابه "الفوائد" فصل "الروح والجسد" كلاماً رائعاً نجد من الأهمية بمكان ذكره هنا حيث جاء فيه "خُلق بدنُ ابن آدم من الأرض، وروحه من ملكوت السّماء، وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره، وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة فتاقت إلى الموضع الذي خُلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه ونعّمه ونوّمه واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذي خُلق منه، فانجذبت الروح معه إلى السجن، فلولا أنها ألفت السجن لاستغاثت من ألم مفارقتها وانقطاعها عن عالمها الذي خُلقت منه كما يستغيث المعذب".
وقريبٌ من هذا الكلام ما كتبه الأب "جيوفاني بيكوديلا ميراندولا" في مقالته الرائعة بعنوان "صلاة من أجل الكرامة الإنسانية"، بحيث عدد فيها مراتب الإنسان، فهناك الإنسان الاستهلاكي الذي يعمل على إشباع معدته وجسده بكافة ألوان الشهوات والملذات، وهناك مرتبة الإنسان الفيلسوف الذي يغذي عقله بالبحث والمعارف، أما المرتبة الثالثة فهي مرتبة الإنسان المتأمل في الوجود، العازف عن متطلبات الجسد، المنصرف إلى المدارك العقلية، وإن كان يذم الأول، فهو يدعو إلى تكريم الثاني والأخير لأنهما تغلبا على الجانب الحيواني والنباتي فيهما، ومما جاء فيها قوله: "عندما ترون من يجرجر نفسه في التراب، ويتعبد لمعدته فإنكم ترون نبتة وليس إنساناً، وعندما ترون من تعميه شهواته العبثية.. ومن تستعبده حواسه فإنكم ترون وحشاً وليس إنساناً، أما عندما ترون فيلسوفاً ينظر إلى الأشياء بعقله، فإن عليكم تكريمه لأنه مخلوق سماوي، فإذا رأيتموه متأملًا في ملكوت الله، عازفاً عن متطلبات جسده، منصرفاً إلى المدارك العقلية، فاعلموا أنه ليس مخلوقاً أرضيًّا ولا سماويًّا بل هو روح منفعلة محاطة بجسد إنساني".

نستخلص في الأخير أنّه لا بد من تغذية الروح بالإيمان حتى يحدث التوازن بينها وبين الجسد، وبذلك يعيش الإنسان حياة هادئة، متزنة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.