المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

الخوف كأداة للسيطرة

تم النشر: تم التحديث:

يسوّق الإعلام العالمي، لتنظيم داعش وقوّته العابرة للحدود والجغرافيا، بأنّه الخطر الداهم، الذي يهدد العالم واستقراره، وأن السّلام العالمي أصبح في خطر، ومكاسب البشرية -إذا استمر الوضع على ما هو عليه- فمآلها الضياع والاندثار، لكن السؤال الذي يُطرح في هذا الصدد: هل حقًّا، يمكن أن يشكل تنظيم يتكون من ألفين أو ثلاثة آلاف شخص، خطراً على دولٍ بجيوشها ومخابراتها وأسلحتها، إلى حد يستدعي دولاً لكي تتحالف لمحاربته، بل ويدّعي البعض بأن الحرب ضده ستستمر لسنوات طويلة، لأنّه وحش ماكر شرير همّه الوحيد هو أن يرى الدماء تتدفق أنهاراً وودياناً.

تأتي هجمات باريس، في 13 نوفمبر/تشرين الثاني، التي أدت إلى إسقاط العديد من القتلى والجرحى لتؤكد، وفق السّياق الغربي، هذه الأطروحة، ويمضي الغرب، بالتّالي، في حربه المقدسة ضد هذا المسخ الشّرير، الذي لا يتورّع عن قتل المسلمين وأعدائهم. هذا هو الخطاب، وهذه هي اللغة المتداولة والمستعملة.. خطاب التهديد ولغة التخويف.

يستغل الغربُ، إذن، الخوف، لتحقيق أهدافه وبسط هيمنته، والخوف، هنا، إستراتيجية لا تقتصر على تخويف العدو فحسب، بل هو سياسة منتهجة ضد الرأي العام الداخلي، فعندما يتصدر الخوف المشهد تُشل الروح ويتبلّد العقل، ويصبح قاصراً، يتلقى فقط الصورة والتحليل المصاحب لها، دون أن يكلف نفسه عناء النّقد ومشقة التّحليل، وإلا كيف تُفسر سكوت الرأي العام الغربي عن حكوماته التي تدّعي محاربة الإرهاب أكثر من خمسة عشر عاماً دون أي تقدم ملحوظ، ودون أن تكلف نفسها تقديم إجابات عن أسئلة مطروحة: ما مفهوم الإرهاب؟ وإلى متى ستستمر هذه الحرب؟

ألم يُقْتل أسامة بن لادن زعيم أخطر تنظيم إرهابي (القاعدة) كما يقال؟ وماذا عن أكذوبة امتلاك صدام حسين للسلاح النووي وعلاقاته بالقاعدة؟ وإلى متى نبقى نُحصي التنظيمات التي انتهت، والتنظيمات التي ظهرت من جديد؟ ألم يُقال، سابقاً، بأن تنظيم القاعدة هو أعلى مراتب الخطر، وأن أسامة بن لادن أخطر زعيم إرهابي عرفه التّاريخ؟ ألم تدمر أفغانستان والعراق نتيجة لذلك؟ واليوم، بقدرة قادر، أضحى تنظيم داعش هو الشّر المحض، وأبو بكر البغدادي عدوّ العالم والبشرية جمعاء، والكل أصبح يتباكى على القاعدة ورومانسيتها في التهديد والقتل.

هذه الأسئلة مفاتيح لفهم اللعبة العالمية التي تدار فوق جغرافيا العرب وبهم، وللأسف، هناك، من العرب من يستغل هذه اللعبة لتصفية حساباته مع خصومه، ولا يدري بأنّه يرهن نفسه ومستقبل شعبه وبلده لعدوه، والبعض الآخر، يعمل على تغييب هذه الأسئلة، لأنّه يشارك الغرب أيديولوجيته.
لا تجد من يعمل على تفكيك هذه الألغاز؛ لأن السّياق الغربي بخطابه الموجه هو الغالب.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، أنّك إذا حاولت ستصطدم بسيل عارم من التحاليل وأبحاث الخبراء والإستراتيجيين، كلها تصبُّ في أن العالم يعيش لحظة فارقة، حيث تتنازعه قوتان، قوّة تعمل على المحافظة على المكاسب التي حققتها الإنسانية، كقيم الحرية والدّيمقراطية وإعلاء قيمة الفرد، وقوّة أخرى، تريد إعادتنا إلى عصور الظّلام والاقتتال الديني والطائفي، ولعل الغرب هو الذي يمثل القوّة الأولى، وهو يواصل رسالته التي أخذها على عاتقه منذ زمن الرجل الأبيض، الذي تحمّل عبء الأجناس الأخرى، بضرورة إخراجها من البربرية والهمجيّة إلى التمدّن والتحضّر، واليوم يعمل على تخليص الإنسانية من أغلال العبودية ودعاة الشّر.

أما القوّة الثانية فتمثلها هذه الجماعات التي تتدثر بتعاليم الدين وقيمه، كداعش والقاعدة والنّصرة.. ولا بديل عن إنهاء هذا الخطر الذي تمثله هذه التنظيمات والجماعات إلا بمحاربة أفكارها واستئصال وجودها.

لقد تغيرت الإستراتيجية الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول، فالحرب، وفق هذه الإستراتيجية، لا تُشن ضد الدول بل ضد كيانات وتنظيمات، تمثل تهديداً للأمن والسّلام العالميين، مما يجعل سيادة الدول واستقلالها في خبر كان، لأنّ العقد السياسي الذي يحدد العلاقة بين الدول منذ معاهدة وستفاليا 1648 قد تم إنهاؤه وعدم الاعتداد به.

فقد يكفي أن يجاهر فصيل أو تنظيم، مثلا، بعداوته لأميركا أو.. وأنّه ينوي أن يقوم بعمل ضدها، وهذا التنظيم يوجد في البلد الفلاني، حتى تُجهّز الجيوش وتُشحذ الأسلحة من أجل استهداف تلك الدولة دون مراعاة لسيادتها واستقلالها، ومن شأن هذه الإستراتيجية أن تجعل العالم دائماً في حالة حرب، لأن العدو غير واضح، وهو في تجدد مستمر، كالخلايا السرطانية، وهذا كله، يؤدي إلى الهدف النّهائي من أي حرب، ألا وهو تدمير الأوطان، والاستيلاء على ثرواتها، وازدهار صناعة الأسلحة.

هذه هي الإستراتيجية الغربية الجديدة، التي تشكل خطراً على حاضر العرب ومستقبلهم، ولكن، لا أحد منهم واجه الغرب بالحقيقة، بل تجدهم يسايرونه في أطروحاته ومخططاته، وكأن الأمر لا يعنيهم. الوحيد الذي صاح في وجه هذا السّياق، وواجهه بالحقيقة والأدلة هو "إدوارد سنودن" المتعاقد السابق لوكالة الأمن القومي الأميريكي، ومع أنّه شاب يعيش حياة مرفّهة وهادئة، يشغل وظيفة محترمة، ويتلقى راتباً معتبراً، إلا أنّه لم يستطع أن يعيش في حضن الأكاذيب، ولم يستطع أن يتغلب على صوت ضميره الذي أنّبه ووخزه، فقام بفضح تصرفات الوكالة، التي تتعدى على خصوصيات الآخرين، بالتنصت والتجسس عليهم، من خلال تسريبه لوثائق سرّية في يونيو/حزيران 2013.

"إدوارد سنودن" ، سقراط زمانه، على حد تعبير "روث ستاركمان"، كشف مؤخراً سرًّا في غاية الأهمية، لكن ما قاله مرّ دون أن يحدث ضجّة، لأنّ العالم مشغولٌ، كعادته، بـ(مسرحية) داعش وإحصاء عدد قتلاه، وتصريح كهذا، يُفسد العرض والفرجة، ويفضح الأكاذيب ويؤجل المخططات، لذلك، فعلى الإعلام أن يبتعد عن عرض مثل هذه الأسرار، وخاصة في مثل هذا الوقت بالذات، الذي توافق فيه الأعداء على كلمة واحدة، واجتمعوا في صف واحد، فأميركا تتحالف مع روسيا، وإيران تحارب بجانب إسرائيل.

كشف سنودن بأنه يمتلك أدلة ووثائق تؤكد أن أسامة بن لادن عميل أميركي، وهو حي يرزق، ويقيم بجزر الباهاماس تحت رعاية "سي آي إيه".
وبالتّالي، فأسامة بن لادن ليس ثائراً عظيماً ضد الظلم الغربي، بل هو صناعة مخابراتية أميركية، وما قيل عن خطره على العالم الحر، وتهديده للقيم الغربية، مجرد مسرحية محبوكة بإتقان، وقد يكون تنظيم داعش النّسخة الجديدة من هذا العمل المسرحي المخابراتي، خاصة، وأن التّاريخ في كل مرة يفضح أسراره وألاعيبه، فهو يذكر أن صناعة أي عدو أو خطر يخفي وراءه أهدافاً إستراتيجيةً، وقد يكون هذا الخطر مجرد تضخيم فقط، لا يرقى إلى أن يكون خطراً، ولا إلى أن يكون عدوًّا.

في هذا الصدد يورد المفكر الأميركي "نعوم تشومسكي" في كتابه "إعاقة الديمقراطية" حقائقَ عن الخطر الذي كان يسوّق له الإعلام الغربي عن الاتحاد السوفياتي، حيث تقول وثائق المخابرات المركزية الأميركية بأن معظمه كان مضخماً، والغاية من ذلك، توجيه أنظار الشعب الأميركي إلى هذا العدو، وتصويره بأنه يريد احتلال أرضكم، والقضاء على حضارتكم، وتبديل نمط حياتكم ومعيشتكم، لذا، لا نستبعد أن يكون تنظيم داعش مجرد وهم، وهو قبل ذلك، مجرد صناعة أميركية ودولية مخابراتية، الغاية منه تخويف الشّعب الغربي وإرهابه، ومن ثم السّيطرة عليه، وفي المقابل، تهديد الآخرين الذين يشقّون عصا الطاعة، ويريدون الخروج من السّرب.

قد يسأل البعض، إذا كان الأمر كذلك، لماذا يغفل العربُ مثل هذه الحقائق التي تخدمهم، وتخدم قضاياهم، وتبعد عنهم تهمة الإرهاب التي تلاحقهم، وتلاحق دينهم؟

إن السبب الوحيد في تجاهل العرب مثل هذه التصريحات والحقائق، يعود أساساً إلى غياب الديمقراطية والحرية، لأنّ النّظام الاستبدادي لا يقوم على الحقيقة، بل على استخفاف العقول "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ"، ولأنّه كذلك، لا يستطيع أن يفضح أكاذيب وممارسات العدو، بل هو يستغل تلك الأكاذيب من أجل إطالة عمر نظامه، وبالتالي، فالنتيجة في التحليل الأخير هي أن هناك شبه اتفاق بين الديكتاتور والنّظام الغربي على ترسيخ مثل هذا الخطر في العقول من خلال القصف الإعلامي، والكل يقوم باستثماره لصالحه.

أخيراً، لقد أظهر الغرب عجزاً كبيراً في حكم العالم، وعندما يعجز في ذلك، فهو لا يواجه شعبه بالحقيقة التي يقوم بإخفائها وطمس معالمها، لأنّه بإظهارها سيتكشف مرض الغرب المزمن وأزمته المستفحلة، ومن ثم، لا بد عليه أن يحكم شعبه بالخوف، ويحكم الآخرين بالتهديد وإشاعة الفوضى، لأنّ حكم العالم بالتخويف والتهديد أجدى من حكمه بالحقيقة، كما يخبرنا التاريخ وتدل على ذلك أحداثه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.