المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعدون يخلف  Headshot

إدوارد سعيد وصراع الحضارات

تم النشر: تم التحديث:

ظلّ إدوارد سعيد، المفكر العربي الكبير، كعادته، طوال حياته (1935-2003)، وفياً لقضايا العرب العادلة، ومدافعاً شرساً عن العرب والمسلمين، بحيث كانت له مواقف مشرِّفة ودراسات معمّقة وأبحاث رصينة، كلها تصبُّ في الدفاع عن العرب والإسلام، فقد فكك الاستشراق، وانتقد الثقافة الكولونيالية، ورافع من أجل القضية الفلسطينية، منتقداً في الوقت نفسه عملية السلام التي اتخذت مساراً لا نهاية له، كما اعتبر المثقف في كثير من الأحيان ألعوبةً في يد السلطة، فقد ضلّ الطريق، وخان رسالته النبيلة.

انتقد تغطية الإعلام الغربي للإسلام، واعتبرها متحيّزة تسوّق الأكاذيب والأوهام، ولا تتحرّى إطلاقاً البحث عن الحقيقة؛ لأنّها تخدم في كثير من الأحيان أجندات سياسية وعسكرية، ومن بين القضايا التي عالجها، تفكيكاً ونقداً، أطروحة "صراع الحضارات"؛ بحيث رأى أن صياغة الغرب لهذه الطروحة في ذلك التوقيت بالذات، أي بعد سقوط جدار برلين 1989 وانهيار الاتحاد السوفييتي 1991 -عندما كتب البروفيسور الأميركي صموئيل هنتنغتون مقالته الشهيرة "صدام الحضارات" عام 1993- تُخفي وراءها العديد من الخفايا والأسرار.

لقد تناول هنتنغتون في هذه المقالة شكل الصراعات المستقبلية، مبيناً أنّه حتّى ولو انتهى المبرر الأيديولوجي في الصراع، فقد يتخذ أشكالاً أخرى، ولعل أبرزها استدعاء الدين والثقافة من أجل تشكيل المحاور والتكتلات المتصارعة "الانقسامات الكبرى بين البشر سوف تكوّن انقسامات ثقافية، وكذلك المصدر الأساسي للصراع... صدام الحضارات سوف يسيطر على السياسة العالمية".

جدير بالذكر هنا أن هنتنغتون اعتمد بشكل كبير على أستاذه برنارد لويس، حتّى العنوان "صدام الحضارات" -يضيف سعيد- استعاره من مقالته الشهيرة "جذور الغضب الإسلامي"، التي ظهرت منتصف سنة 1990.

هذه الطروحة كانت بمثابة رسالة قوية من العقل السياسي الأميركي خصوصاً، والغربي عموماً، إلى العالم كله بضرورة وجود أعداء من أجل تحقيق الغرب أهدافه في السيطرة والهيمنة؛ إذ تجعل العالم في حالة حرب، بعدما بشّرنا النظام العالمي الجديد، بأنه بمجرد سقوط المعسكر الشيوعي، وتفكيك الاتحاد السوفييتي، سوف تنتفي مسبّبات الحرب، وتنتهي مسوّغات الصراع.

ومن ثم، فإن هذه المقالة هي دعوة صريحة إلى تأسيس عالم الحرب، وهي في الأساس "تنطلق من وجهة نظر مخططي البنتاغون ومنفذي وزارة الدفاع، الذين لعلهم فقدوا مهنهم مؤقتاً بعد نهاية الحرب الباردة، ولكنهم وجدوا الآن لأنفسهم وظيفة جديدة". أما دور هنتنغتون، فيحدّده إدوارد سعيد في قوله: "وتبقى لهنتنغتون فضيلة واحدة على الأقل، تتمثل في تأكيد أهمية المكوّن الثقافي في العلاقات بين البلدان، والتقاليد، والشعوب المتخلفة".

لقد أُخرجت أطروحة "صراع الحضارات " رداً على مقولة "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكاياما التي كانت بمثابة رسالة سلام إلى العالم، ودعوة ودّية من أجل إيجاد الحلول الناجعة للقضايا العالمية بطرق سلمية تعتمد على الرؤية الاقتصادية كأرضية لتأسيس الحياة المشتركة بين البشر، وهذا ما أغضب العقل الاستراتيجي الأميركي؛ لأنّه لا يريد حلولاً للأزمات والمشكلات. ومن ثمّ، فإن "صراع الحضارات" -كما أشار إدوارد سعيد- "يشكّل ذلك السبيل الناجع في مفاقمة شتى المشكلات السياسية أو الاقتصادية، وجعلها مستعصية على الحل".

إن الخطأ الذي ارتكبه هنتنغتون في تحليله التشكيلات الثقافية والحضارات المختلفة، هو محاولته إدخال الحضارات والثقافات فيما ليس لها؛ إذ جعلها "كيانات ساكنة منغلقة" نقية من "التيارات والتيارات المضادة التي لا تُعدّ ولا تحصى، والتي تحرّك التاريخ البشري" مع أن التاريخ، كما تدل أحداثه، لم يكن عبارة عن حروب دينية أو غزو استعماري فقط، ولكنه أيضاً تاريخ من التلاقح والتفاعل والتبادل والمشاركة، لقد تجاهل هنتنغتون هذا التاريخ الأقل وضوحاً -كما يقول إدوارد سعيد- من أجل تسليط الضوء على يافطة الحرب الضيقة القائلة إن "صدام الحضارات هو الواقع".

ثمّة نقطة مهمة لا بد من الإشارة إليها هنا، وهي أنّ الغرب عندما رفع شعار "العالم مقابل الغرب"، أراد من خلال ذلك إعادة صياغة لعداوات الحرب الباردة، التي انتفت مسبّبات وجودها، بمجرد الإعلان عن سقوط المعسكر الشيوعي، وتفكك دويلات الاتحاد السوفييتي، وقد قامت أطروحة "صراع الحضارات" على صياغة عداوات ما بعد الحرب الباردة على أساس هويّاتي، ثقافي وحضاري؛ إذ جعل هنتنغتون الغرب في حالة مواجهة مع بقية الثقافات والحضارات الأخرى، مرتّباً إياها بحسب قوتها وتأثيرها، جاعلاً من "الإسلام" العدو الأول؛ لما فيه من قيم ومبادئ "صلبة" تشكّل حاجزاً أمام قيم الغرب العلمانية وأبعادها المادية.

لقد استغل الغرب هذه الميزة من أجل التأسيس لعالم الصدام والحروب؛ لأنه، ببساطة، لا يملك بدائل حقيقية من أجل نقل البشرية إلى عالم أفضل حيث السلام والحرية والعدل والمساواة، ولا يملك القوة التي تمكنه من البقاء مهيمناً ومسيطراً على العالم؛ لأنّ الحقيقة جلية توضح مدى عجز الغرب عن تحقيق مشروعه الحضاري المثالي.

وفي مقابل ذلك، فهو عاجز عن تحقيق الهيمنة المنشودة، وعليه أن يختار بين المشروع الحضاري ومشروع الهيمنة، ونجد أن الغرب قد حدد خياره، وقرر ألا يغامر بما حققه من فتوحات وثروات متراكمة وشركات ضخمة من أجل أن تنعم البشرية بالأمن والسلام والحرية، بمعنى آخر، إن الغرب فرّط في مشروعه الحضاري لأجل الهيمنة والسيطرة.

إذا ثبت ذلك فنستطيع أن نفهم العديد من الأحداث التي جرت في العصر الأميركي الجديد، وخاصة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، التي كان لها تأثير كبير في إعادة صياغة العلاقات الدولية، عندما قام الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش بإحياء صراع الحضارات، مقسماً العالم إلى محورين؛ محور الخير ومحور الشر، جاعلاً من العالم الإسلامي ساحة لحروبه ضد الإرهاب، حيث شنّ مباشرة حرباً ضد أفغانستان لملاحقة أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة والمسؤول الأول عن هجمات 11 سبتمبر/أيلول، ثم قام بغزو العراق للبحث عن الأسلحة المحظورة، وتخليص العراقيين من شرور نظام صدام حسين، بالإضافة إلى ذلك، نشر الحرية، وإقامة نظام ديمقراطي.

هنا تَظهرُ حكمة وعبقرية إدوارد سعيد الذي انتظر زمناً طويلاً، أي 8 سنوات من 1993 إلى 2001، لكي يدلي برأيه حول أطروحة صراع الحضارات؛ لأن المفكر الحقيقي لا يعطي آراءً متسرعة؛ بل يُخضع القضية المدروسة لميزان البحث والتحليل والنقد، وبما أن الحضارات تتفاعل وتتلاقح فيما بينها، كما دلت أحداث التاريخ عبر قرونه الطويلة، فإن فكرة الصدام مستبعدة إلى حد كبير.

ومن ثمّ، فإن الصدام الحاصل هو صدام الجهل أو الجهالات، بمعنى الجهل بالآخر وعدم فهم ثقافته وديانته، كل ذلك يولّد الكراهية والخوف، ويبني الحواجز بين بني البشر، فيؤدي في الأخير إلى " تعزيز الكبرياء الدفاعي الذاتي أكثر من الفهم النقدي للترابط الغامض لعصرنا".

على هذا الأساس، يصل إدوارد سعيد إلى نتيجة في غاية الأهمية، مفادها أن ما يعيشه العالم من خوف وكراهية وظلم وحروب، الكل مسؤول عنه، غربيين ومسلمين وغيرهم؛ لأنّهم ببساطة، لا يعملون بكل جد على معرفة بعضهم بعضاً، من خلال البحث عن المشترك الإنساني، والابتعاد عن التجريدات الفضفاضة، التي تزيد من حجم العداوة والكراهية.

في هذا الصدد، يقول إدوارد سعيد، وبصراحته المعهودة: "لكننا جميعاً نسبح في تلك المياه، غربيين ومسلمين وغيرهم، على حد سواء. ولأنّ المياه جزء من محيط التاريخ، فإن محاولة حراثتها أو تقسيمها بحواجز أمر غير ذي جدوى. هذه أوقات عصيبة، لكن من الأفضل أن نفكّر بمفاهيم من مثل المجتمعات القوية والضعيفة، والسياسة العلمانية العقلانية والجهل، والمبادئ العالمية للعدالة والظلم، وبدلاً من التسكع بحثاً عن التجريدات الفضفاضة التي قد تعطي ارتياحاً لحظياً، ولكن القليل من معرفة الذات أو التحليل المتقن ".

ومن ثمّ، فإن أطروحة "صراع الحضارات" هي وهم وخدعة من وحي العقل السياسي الأميركي، كسائر الأوهام التي زرعها في حياة البشرية من أجل تحقيق أهدافه الاستراتيجية، وهذا ما خلص إليه إدوارد سعيد في التحليل الأخير، عندما قال: "أطروحة صدام الحضارات خدعة مثل حرب العوالم، تعزّز الكبرياء الدفاعي الذاتي أكثر من الفهم النقدي للترابط الغامض لعصرنا".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.