المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعد الطيب Headshot

جوعى الجمال

تم النشر: تم التحديث:

2017-09-30-1506770652-6733858-13549243680623869www.nevsepic.com.ua.jpg

كثيراً ما يخطئ الناس بالتفريق بين الجوع والشّبَع في الجمال، وأعني هؤلاء الذين يكونون بمعزل عنه، ثم تتاح لهم الفرصة ليطوفوا في أروقته، كطوفان الجائع في حضرة الطعام بعد أن حُرمَ منهُ، خُيَّل إليَّ أمر ذلك الزائر كذلك، فهو كالجالس أمام مائدة طعام فيها من شتى أصناف الطعام والشراب، ما أن يلبث أن يأكل من صنف حتى يقفز على الصنف الآخر! فلا يظفر بكل طعم للأطعمة الموجودة ولا تُغني عنه عينه بالنظر لباقي ما في المائدة، بل أكاد أجزم أنه سوف يصل إلى مرحلة التشبع في وقت قصير.

وكذلك هم جوعى الجمال القادمون من أرض جرداء قَفْر، لم يروا خضرةَ الشجر ولا جداول النهر، ولم يسمعوا خرير الماء ولم يتأملوا زرقة السماء ولا يطربون لحَفِيفُ الورق؛ لأنهم متعبون مُكَلَّلون بالأرق، فتجد الواحد منهم لا يكاد يلبث في مكان لبرهة حتى يمضي إلى مكان آخر دون أن يحللهُ ويعرف تاريخه ويتفحص القيم الجمالية الموجودة في كل ركن فيه؛ لأنه غارق في البحث عن الأماكن لا عن الجمال، وشتان ما بين الأمرين!

وعندي أن كثرة التنقلات بين الأماكن ستصل بك إلى مرحلة الإشباع البصري، ولن يكون هناك أي فائدة مرجوة من كثرتها وإن حصلت ستكون قليلة بل لا تذكر؛ لأن الخيارات الكثيرة تفقد المتعة بالشيء كما تفقده معناه أيضاً، فالتغذية البصرية كما شبهتها كالتعذية الفسيولوجية، أما التغذية البصرية فهي محاولة إشباع الروح بأبعاد الجمال اللونية والزمانية والمكانية لتكوين البعد الزمكاني* النفسي للإنسان وعندها يشعر بقيمة الحياة وجمالها.

ولتذوق قيمة الجمال ولنمارس التغذية البصرية، لنتوقف قليلاً أمام اللوحات داخل (آيا صوفيا) مثلاً فنجد التدرج اللوني لرسم مريم العذراء والعطف والحنان الذي يشع من تلك اللوحة الجدارية، كما أنك تشعر أن مكان رسمها كان مقصوداً عند انحناء الجدران لتتعانق مع بعضها في الركن القصي من الباحة الكبيرة، فتجد ذلك العناق قد تحول إلى لوحة فنية تجسدت في رمز المحبة - نعم رمز المحبة - إنها (مريم العذراء).

ومن اللوحات ما يضفي أثراً تعبدياً فتجد روحانية المكان تنبعث من بين جنباته متأثرة بلوحات رُسمت أو زخرفات نُقشت، وإن أردت مثالاً على ذلك فستجده في زخارف جامع السلطان سليمان القانوني ولوحات مايكل أنجلو في الفاتيكان.

والصور والشواهد على مثل ما ذكر كثيرة ولا يمكن حصرها في مقال، بل أدعها لك لتتفكر بالشواهد الجمالية التي تمر عليها في سفرك وترحالك، سيقول قائل: إن ما يحدث من فوضى في نفوس الهاربين من جحيم أوطانهم إلى بلدان الجمال لا يكترثون إلى مثل هذه الدعوة! وأقول: ليت شعري لو أنهم فهموها جيداً وطبقوها فستكون غيمة بيضاء تحمل نفوسهم المثقلة بالأحزان والخيبات إلى سماء الغبطة والمسرات!

وقد ظلمك هؤلاء الذين يسمون أنفسهم مرشدين سياحيين، فهم يقدمون لك قائمة بالمناطق السياحية، لكنهم لم يقدموا لك الإحساس بالجمال! فالمتعة في الجمال هي في البحث عنه وتحليله والتأمل فيه والعيش معه حتى تصبح جزءاً منه لا يفصل بينكما لا مرشد ولا كاميرا ولا ضجيج العوائل التي ترافقك ولا "سيلفي"!

ففي ميدان الجمال تصطف العواطف والانفعالات في صدر المرء فيمتزج بعضها ببعض بحيث تهدأ جميعها في صدره نهاية المطاف ويشعر بقيمة الجمال، إذن هي دعوة بحق! لننطلق معاً نبحث عن "زمكان جمالنا النفسي" في أروقة ومحاريب الحياة وإبداع الإنسان، ولنوقف قليلاً البعد الزمني في ترحالنا ونتمتع بل ونرتوي.. عفواً، فلنشبع من الجمال المتناثر هنا أو هناك في ترحالنا، فالنوع والتأثر به أفضل بكثير من الكم والسياحة فيه.
ــــــــــــــــــ
* الزمكان: بُعدا الزمان والمكان معاً تراثاً ومعاصرةً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.