المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

سعد القحطاني Headshot

ماذا تعني معركة حلب للسعودية؟

تم النشر: تم التحديث:

وقفت المملكة العربية السعودية إلى جانب الخيار الشعبي منذ بداية الثورة السورية، وعبر تحولات عديدة في عمر الثورة، تمثلت في نشأة تنظيمات متطرفة، مروراً بالتدخل الروسي المباشر، وليس انتهاء بمواقف الغرب المتراخية أمام طغيان الأسد وداعميه، فقد ظل الموقف السعودي ثابتاً في عنوانه، وهو رحيل الأسد، غير أن التفاصيل تبدو متأثرة بالتحولات السابق ذكرها، فالمملكة متوجسة من أي خطوة في سوريا يتقدم فيها الإيرانيون الداعم الرئيسي للأسد؛ حيث إن مثل هذه التحركات بالطبع جزء من مشروع إيران الذي تخشى تمدّدَه المملكة، بالتالي فتقدم قوات الأسد ومعها الميليشيات الشيعية الإيرانية والعراقية وحزب الله في معركة حلب التي يذكرها الجميع بكونها منعطفاً كبيراً في الثورة السورية، مع الأخذ بأن دور السعودية في القضية السورية كان هدفه إسقاط أحد تحصينات إيران في المنطقة، وهو نظام الأسد، كل ذلك يحتِّم على المملكة الوقوف عند معركة حلب بالتحديد والتأمل وإعادة الحسابات.

وعندما أقول إعادة الحسابات بالنسبة لسياسة المملكة تجاه القضية السورية، فإن ما أعنيه هو النشاط السعودي الرئيسي، والمتمثل في دعم فصائل المعارضة السورية، لقد ألقي اللوم على الفصائل الموجودة داخل حلب حين سرت الخلافات المتصاعدة باباً سهلاً للأسد والميليشيات الشيعية الدخول إلى حلب، لا يبدو أن هذه الحالة هي الأولى والوحيدة، فإحدى معضلات مقاومة نظام بشار هي وضعية الفصائل المقاتلة القائمة على التنازع في أحيان كثيرة، وحتى يفهم هذا الاختلاف، فإن عوامل متعددة أفرزت هذه الحالة من عدم التوافق، بل ربما التصادم بين الفصائل السورية، ومن بين هذه المؤثرات تأتي جهود الدول الداعمة، ومدى تأثيرها في عملية توحيد جهود تلك الفصائل.

إن ما تعنيه سوريا في المعترك القائم بين المملكة ومشروع إيران التوسعي هو شبيه بمعركة فاصلة تتمثل جوانب الأهمية فيها من خلال زمن المواجهة، وهي سنوات الثورة الست التي رفضت فيه المملكة أي تواجد لنظام بشار وميليشيات إيران؛ حيث كرَّست فيه السعودية جهدها الدبلوماسي ودعمها المباشر لفصائل الثورة، كما تمثل الجغرافيا إضافة هامة في وصف هذه المواجهة بالحاسمة كون سوريا إحدى حلقات الخط الشيعي الإيراني المتصل والممتد من إيران إلى لبنان؛ لذا فكسر هذه الحلقة هو كسر للمشروع الإيراني.
أضيف إلى أهمية مواجهة مشروع إيران في سوريا ما رافق التحرك الدولي لما يحدث في حلب ومحاولة إيجاد مخرج إنساني وتخفيف للمأساة الجارية، من أن هناك إغفالاً لذكر المملكة كطرف يدخل في حوارات الدول نحو إيجاد مخرج لأهالي حلب، مساهمات المملكة في الدعم الكبير للمعارضة السياسية وتمويل بعض الفصائل المقاتلة ومشاركتها في محادثات جنيف لا يجعل المملكة طرفاً ثانوياً إلا أن يكون أمراً مقصوداً من دول الغرب وروسيا، أو أن هناك تراجعاً في الدور السعودي خلال الآونة الأخيرة، ما يهم الآن هو أن التطور الذي آلت له مدينة حلب في إطار صراع الثورة مع الأسد وحالة الاختلاف بين الفصائل المقاتلة وغياب دور المملكة في تطورات الوضع بعد معركة حلب يجب أن يدفع ذلك بالمملكة للعب دور أكبر وإثبات حضورها كفاعل مؤثر، من خلال تنسيق جهودها مع الدول الداعمة لقوى الثورة السورية المتوافقة معها وهي تركيا وقطر، والعمل لتوحيد الفصائل المدعومة على أوسع نطاق ممكن، وهو في اعتقادي أمر لا يحتمل التأخير أو التردد.

ما يهم المملكة مما جرى في حلب أيضاً هو الامتداد الذي يشكله تحرك الميليشيات الشيعية في مناطق جديدة ومتعددة، الخطير في الأمر هو تشريع وجودها كما في العراق، أو التغاضي دولياً عن خرقها للسيادة الوطنية وانتهاك هذه الميليشيات مجازر وجرائم ضد الإنسانية كما في اليمن وسوريا، هذه الميليشيات وهي في حركة مستمرة من لبنان والعراق وإيران إلى داخل سوريا، ومن لبنان وإيران إلى اليمن، ومن إيران إلى العراق، باتت تبدي رغبتها في الوصول إلى السعودية، وكأن هناك نقطة محددة يتجه لها الحراك الميليشياوي الدائر في سوريا والعراق واليمن، وكذلك في بعض دول الخليج، بطبيعة الحال لن تتوقف هذه الميليشيات عند حلب فتصريحاتها أبعد من سوريا، وما تقترفه هذه الميليشيات من جرائم ضد السنة يستحيل أن يكون في إطار واجب وطني أو أخلاقي.

يجب ألا تقبل المملكة بوضع هذه الميليشيات والتي في حال ازدادت تمدداً وقوة فإن أمر مواجهتها سيكون صعباً، المملكة وبمساندتها قوات الشرعية اليمنية ضد ميليشيات الحوثي فهي تخوض معركة مباشرة مع إحدى أذرع إيران بعد أن سيطرت على مؤسسات الدولة اليمنية، فهل يمكن انتظار بقية هذه الميليشيات حتى تطالعنا من العراق أو الخليج؟

على المملكة أن تسعى وبجدية نحو محاصرة هذه الميليشيات سياسياً، والوصول إلى تجريمها والتصعيد من خطر هذه الميليشيات المناهضة لمؤسسية الدولة وسيادتها كرفض إقرار قانون الحشد الشعبي في العراق، غير أن هذه الخطوة لن تكون كافية إذا ما انصبت جهود سعودية لإشغال واستنزاف هذه الميليشيات كما يفترض أن يكون في سوريا، الأهم في نظري على المدى القريب والمتوسط أن تمضي السعودية عبر مشروعها الوطني القائم على التحول لاقتصاد متنوع وغير نفطي إلى التفكير في بناء قوة إقليمية تستطيع أن تكون قادرة على التأثير في إحلال الأمن إقليمياً، وتصل باقتصادها إلى دخول أسواق دول منافسة لها كإيران.

إن إدراك متطلبات المواجهة ضد مشاريع سياسية تطورت عبر عقود يأتي بحلول استراتيجية تحتاج إلى تطور أيضاً، لكن على الحلول أن تنطلق الآن، وليس غداً.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.