المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رواء مصطفى Headshot

ابنتي وفتاة السيرك

تم النشر: تم التحديث:

تلح علينا صغيرتنا ذات الستة أعوام منذ فترة، بأنها تريد الذهاب إلى السيرك، هي لم تدخل سيركاً من قبل، إلا أنها شاهدت له صوراً عديدة في كتبها، أو في قصص الحضانة، كما شاهدت عنه مقتطفات في بعض أفلام الكارتون التي تشاهدها، فيزداد معها فضولها، وتطالب بأن تشاهد سيركاً حقيقياً بنفسها.

وها قد سنحت الفرصة أخيراً، عندما لمحت بعينها ذلك السيرك المتجول وهو ينصب خيامه في المدينة المجاورة لمدينتها؛ لتعود إلى المنزل يومها، وتسأل والدها أن يحقق لها أخيراً أمنيتها بمشاهدة السيرك.

ذهبنا في ذلك اليوم الذي خصصه السيرك كيوم للأسرة، اتخذنا مقاعدنا، وجلسنا متشوقين لبداية برامجه، وبدأت فقرات السيرك في التتابع.

في أثناء الفقرة الأولى، لمحت بعيني تعبيرات وجه ابنتي المندهش، عينيها اللتين تراقبان بكل ذرة فيها، فتاة لا تكبرها إلا بثلاثة أو أربعة أعوام على أقصى تقدير، تتأرجح عالياً في الهواء على ذلك القرص الدائري (الهيلاهوب).


تنطق عينا ابنتي بكل الدهشة التي تملأ كيانها من الداخل، فاغرة فاهها متابعة لكل حركة من حركات الفتاة، تتحول الدهشة إلى رفع يديها إلى فمها غير مصدقة ما تفعله الصغيرة الأخرى في الهواء؛ لتتحول مع الوقت إلى دفن وجهها في أحضان والدها، خوفاً من سقوط ذلك الشاب وهو يتأرجح عالياً فوق الكراسي السبعة التي يتعلق فوقها.

كان سيركاً عجيباً، لا يزيد عمر أكبر من يقوم بفقراته عن الثالثة والعشرين؛ لتكتشف في النهاية، أن السيرك كله عبارة عن أسرة واحدة، يقوم بفقراته الإخوة الستة، ولا يظهر الوالدان في مرمى الأضواء مطلقاً، بل يكتفيان بالقيام بالدعم لأبنائهما من خلف الستار، ورغم صغر عمر الجميع فإننا حقاً استمتعنا بعرض مختلف، يتميز فيه صغاره بموهبة كبيرة في الأداء والحركة.

تساءلت صغيرتي: ألم تسقط تلك الفتاة من قبل؟ لأوضح لها لاحقاً، أنها بالتأكيد قد سقطت، ولم تسقط مرة واحدة، بل لا بد أنها سقطت عدة مرات؛ لتستطيع أن تتقن ما تقوم بفعله اليوم أمامنا.

نحاول أن نشرح لها أن كل ما شاهدته اليوم هو نتاج تدريب طويل، قد يفشل الإنسان في أثنائه قليلاً أو كثيراً، إلا أنه باستمراره بالتدريب والمثابرة فلسوف يصل إلى ما يريده من إتقان لتلك الحركات في النهاية.


أذكر صديقنا الألماني، وهو يقص علينا كيف أنه كان يعزف على البيانو في صغره، ولكنه لم يعد الآن يعزف عليه، وعندما سألناه عن السبب، أخبرنا بأن الأمر يتطلب تدريباً كثيراً ومطولاً على العزف، وهو لم يعد لديه الرغبة في تحمل ذلك التدريب بعد فترة من الزمن.

لا يختلف الأمر كثيراً إذا ما أردت إتقان رياضة ما، أو حتى أن تقوم بممارستها بانتظام، يتطلب الأمر تدريباً طويلاً منذ الصغر، يستمر معك طوال مدة رغبتك في ممارسة تلك الرياضة.

لا يبدو الأمر سهلاً مطلقاً، فلا بد أن تبذل جهداً كبيراً، وربما مضاعفاً إن أردت أن تتميز أو تمارس أمراً ما، بل وربما ينطبق الأمر أيضاً على العبادة، فكلما مارست عبادتك، زاد اتصالك بالله، وكلما أقللت منها، زاد ابتعادك عن الله في المقابل، بل قد تصل إلى مستوى عالٍ من الروحانيات، تبعاً لمدى إقبالك على العبادة وحرصك على الاستمرار في ممارستها.

لا شيء في هذه الدنيا مجاني، ولن تعطيك هي شيئاً مجانياً في المقابل، فكل ما أردت الحصول عليه، عليك أن تبذل في المقابل له جهداً ليس بالهين، ولكن ألا يستحق الأمر ذلك الجهد في النهاية؟


وأنا أراقب تعابير وجه ابنتي المندهشة، شعرت أن تلك النظرات لكل عمل فريد شاهدت اليوم، تستحق ما بذل من أجلها من جهد، وأن يكلل ذلك الجهد في النهاية بتلك النظرات المعجبة به، المقدرة لكل قطرة عرق بُذلت من أجله.

ذلك اليوم قررت أن أخصص الوقت الأكبر في متابعة تعبيرات وجه صغيرتي، تلك الدهشة النقية الأولى، التي أعلم يقيناً أنها لن تكون بمثل ذلك النقاء في زيارتها الجديدة للسيرك، حتى وإن شاهدت عروضاً مختلفة وحركات أصعب لم ترَها من قبل، ستظل دهشة اليوم في عينيها مميزة، تستحق أن تسجل لها لتقرأ عنها وتشاهدها يوماً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.