المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رواء مصطفى Headshot

وفصاله في عامين

تم النشر: تم التحديث:

ما زلت أذكر تلك اللحظات الأولى التي بدأت فيها وولدي رحلتنا معاً مع الرضاعة، أذكر أيام الألم الأولى، وأذكر توجهه بشفتيه وبحثه عن المكان المناسب ليستطيع أن يبدأ وجبته البسيطة.

لم تكن الرضاعة له فقط السبيل لإشباع جوعه والحصول على ما ينمو به بطيئاً، خاصة في عامه الأول، ولكنها كانت ملجأه للشعور بالأمان، أو لتخفيف ألمه، أو ربما فقط ليشعر بأنه قريب مني، ملامس لجسدي، شاعر بأنفاسي.

"وفصاله في عامين"، تلك الآية من سورة لقمان، مع غيرها من البقرة والأحقاف، استنبط منها العلماء المدة الزمنية التي يستلزم على الأم أن تقوم بإرضاع طفلها فيها "عامين"، لا بأس عليها إن أتمت فطامه قبلها طالما كان الأمر برضى الوالدين، وطالما تطلب الأمر ذلك، حقيقة لم أصل مع أي طفل من أبنائي لإكمال العامين لظروف مختلفة مر بها كل منهم.


ولكن هل يرتبط الفصال في عامين فقط بالرضاعة؟

ما زلت أذكر مهاتفتي لوالدتي، باكية شاكية التصاق صغيري بي طوال الوقت، فلا أستطيع الحركة، ولا الجلوس، ولا النوم، ولا فعل أي شيء، يلتصق بي كما لو كان الغراء هو عامل الالتصاق بيننا، ولم يكن صغيري حينها يرضع، بل كان فطامه قد تم قبل عدة شهور.

يومها ذكرت لي والدتي تلك الآية "وفصاله في عامين"، وقالت لي: "انتي فاكرة إن الفصال بس في الرضاعة؟! لا طبعاً فصاله تخص كل حاجة، الرضاعة وغيرها، وطّني نفسك إن ابنك هيفضل لازق فيكي لمدة سنتين من عمره، ده واجبك ناحيته، وبعدها ممكن تبدئي تفطميه منك".

كلماتها تلك خففت عني كثيراً، وظللت زمناً طويلاً أتفكر في الآية ومعناها، لم يذكر الله في الآية الفطام، وإنما ذكر الفصال، والفصال في اللغة مشتق من فعل الفصل، ولا يكون الفصل فقط في الرضاعة، ولكنه يكون أيضاً في تعلق الوليد بوالديه، وخاصة أمه، ففي تلك المرحلة من حياته، تمثل والدته عالمه كله.

وببلوغ الطفل عامين من عمره، يمكن للأم أن تبدأ مرحلة فصاله عنها؛ حيث يمكنه الابتعاد عنها قليلاً، يمكنها أن تبدأ حول العامين بفصله في النوم عنها، وفصله في اللعب أحياناً عنها.

تبدأ بعدها بفترة رحلة البحث عن حضانة، وهي المرحلة التي تمثل بداية الانفصال الحقيقي للطفل عن والدته؛ حيث يبدأ بتمضية فترة أطول من اليوم بعيداً عنها، وتأتي مع تلك المرحلة بداية تكوينه لصداقات صغيرة، يزداد مفهومها وترابطها مع الزمن، ويزداد معها انفصاله أكثر وأكثر عن والديه، حتى يصل إلى انفصاله الكامل عنهما بالسفر أو الدراسة أو الزواج.

إلا أن الانفصال وصعوبته لا تتمثل فقط في انفصال الطفل عن والدته، بل ربما كان هذا الانفصال هو الأسهل نوعاً، بطبيعة الحياة، وقدر الله أن يكبر الأبناء ليزداد مع الزمن اعتمادهم على أنفسهم، وابتعادهم عن والديهم، فهنا يكمن أيضاً انفصال الأم عن صغيرها.

نعم في بعض الأحيان، نجد أن المشكلة تتمثل في أن الأم هي التي لا تستطيع أن تنفصل عن صغيرها، لا تريده أن ينام بعيداً عنها، ويكون ذهابه إلى الحضانة أقسى عليها هي من قسوة الأمر على الصغير، فهي لا تحتمل بقاء طفلها بعيداً عن عينيها.

كنت أراقب طوال فترة دراستي الجامعية، تلك الأم التي تنتظر ابنتها كل يوم ولمدة خمس سنوات كاملة، أمام باب الكلية بعد انتهاء موعد محاضراتها، تحمل في يدها كيساً يحتوي على ساندوتشين، وزجاجة ماء، تعطيه لابنتها بمجرد خروجها من الكلية لتصبر نفسها حتى وقت عودتها للمنزل تناولها للغداء، كانت تلك الأم ترافق ابنتها في تدريبات الصيف، وتظل في انتظارها في الخارج لأكثر من 4 أو 5 ساعات كاملة حتى تنهي الفتاة تدريبها لتصطحبها للمنزل بعدها.


ربما أكون قد شعرت بهذا الأمر في أول مرة أمضى صغيري ليلته خارج المنزل، وفي أول مرة خرج ليلعب بمفرده بعيدها عن البيت وغاب ساعة أو ساعتين، كان القلق حينها هو المسيطر الوحيد على مشاعري، فماذا يفعل؟ وهل ينام جيداً؟ أو إلى أين ذهب؟ ومع من يلعب الآن؟

بدأ هذا الأمر مبكراً مع إتمام صغيري لعامه الخامس، وبدأت يومها تدريب نفسي على أن انفصالي عن أبنائي قادم لا محالة، فلأكيّف نفسي عليه منذ الآن حتى لا أتعب منه مستقبلاً.

تعتقد أحياناً أنك تتدرب على الأمر مع طفلك الأول، فإذا ما جاء نفس الموقف مع الثاني أو الثالث، فإنك لن تتعجبه، وستمضي في الأمر بكل سهولة، إلا أن الانفصال عن الأبناء لا يمكنك معه أن تضع خبرتك في طفل من أبنائك عند الطفل الآخر.

كنت أشعر بصعوبة الانفصال مع كل طفل من أبنائي كأنني لم أختبره مع الأكبر سناً، نعم يكون الأمر أسهل إلى حد ما، إلا أنك تقاوم في كل مرة ذلك الانفصال القادم لا محالة، حتى تصل مع الوقت إلى اعتياد الأمر.

يعتمد نظام التعليم في ألمانيا على زرع قيم اعتماد الطفل على نفسه منذ الصغر، بعدة طرق مختلفة، منها القيام برحلات طويلة تصل إلى 5 أيام، بعيداً عن الوالدين، يقوم فيها الطفل بكل شيء، ترتيب سريره، وترتيب حقيبته، وتحديد ماذا سيأكل على الإفطار، وخلافه.

ويبدأ هذا أحياناً من فترة الحضانة، إلا أن هذه الرحلات لم أجد أنها فقط لتعزيز اعتماد الطفل على نفسه، وليعتاد الأمر، ولكنها أيضاً فترة مناسبة ليعتاد الوالدان أيضا عدم وجود ابنهماً دائماً معهما، وليعتادا فكرة الانفصال عنه.


من الطبيعي في ألمانيا أن تجد الشاب قد سافر ليدرس في الجامعة في مدينة بعيدة عن المدينة التي يسكن فيها والداه، يعتاد الوالدان الأمر، حتى وإن كان صعباً في بدايته، إلا أنه في النهاية أمر يصب في مصلحة ابنهم.

في مصر، ولظروف مختلفة، تجد الأم مرتبطة بأبنائها طوال الوقت، وربما فرضت الثقافة أن الطفل مكانه هو بيت أهله حتى يتزوج حتى وإن تخطى حاجز الثلاثين من العمر، فهو يظل دائماً ملاصقاً لأمه وأبيه.

ويكون الانفصال الأول في غالبية الوقت فقط عند الزواج (يستثنى من ذلك طلبة الجامعة القادمون من مدن أخرى للدراسة)، وحيث إن هذا هو الانفصال الأول، فيترسب في عقل الأم، خاصة أن هذه الزوجة أو هذا الزوج هو السبب في انفصال ابنها أو ابنتها عنها، دون التفكير أن طبيعة الحياة تفرض هذا الانفصال في يوم من الأيام، وربما يكون هذا سبباً من أسباب المشاكل مع زوجة الابن، أو زوج الابنة، شعور الأهل الدائم أنهم كانوا السبب الرئيسي في انفصال أبنائهم عنهم.

سنفصل الأبناء يوماً بحياتهم؛ لأنها سنة الحياة، فمن أعد نفسه لهذا اليوم القريب أو البعيد، فقط نأى بنفسه عن آلام ومشاكل ستنتج يوماً نتيجة انفصالهم عنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.