المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رواء مصطفى Headshot

البدايات

تم النشر: تم التحديث:

قضيت أغلب سنين عمري متنقلة بين ثلاث دول مختلفة، طفولة وبدايات مراهقة في الكويت، انتقلنا بعدها إلى مصر؛ حيث أمضيت مراهقتي بأكملها وأنهيت فيها دراستي الجامعية في كلية فنون تطبيقية كمهندسة طباعة منسوجات، وبعد الانتهاء من تمهيدي الماجستير تزوجت وانتقلت للإقامة في ألمانيا؛ لتستمر إقامتي فيها حتى اليوم.

عند بلوغي الثالثة والثلاثين من العمر، كنت قد قضيت في كل دولة منها ثُلث عمري بالتمام.. 11 عاماً في كل دولة.. تركَت كل منها أثراً في حياتي، انتقل معي أثناء انتقالي من مكان لآخر؛ ليستمر أثر الحياة في كل من الكويت ومصر معي أثناء معيشتي الحالية في ألمانيا.

عندما تنتقل للحياة في مكان آخر، تشعر بأنك تبدأ الرحلة من بدايتها، فلكل مكان بصمته الخاصة، وأسلوب حياته المنفرد، يُضاف لذلك مرحلتك العمرية، وخبراتك التي اكتسبتها على مر السنين، إلا أنها تظل في النهاية بداية من البدايات.

منذ انتقالي إلى ألمانيا، وكل ما يمر عليّ فيها هو بداية جديدة، لم يسبق لي التعامل معها من قبل.. بداية من تعلم اللغة الألمانية، مروراً بإنجابي لأبنائي، بالإضافة لمحطات مختلفة ومتنوعة، وصولاً لتجربتي الأخيرة في الانضمام لحزب سياسي.

وتختلف رحلة البدايات جميعها عن رحلة الأبناء، فلكل مرحلة منهم بداية، ولكل أمر يخصهم بداية.. تؤثر عليك، كما تؤثر أنت فيها.

تمثل ألمانيا بالنسبة لي البداية الكبرى لكل شيء، فيها بدأت أدخل عالم الكتابة للمرة الأولى، وفيها تعلمت كيف يختلف الناس عن بعضهم البعض، وكيف عليك أن تتقبل اختلافهم.
فيها تزوجت، وبها أنجبت أبنائي، وفيها كانت التحولات الكبرى لتفكيري.

كامرأة مسلمة محجبة تعيش في أوروبا، أحاول أن أحافظ على تمسك أبنائي بدينهم، ولغتهم، ربما بأسلوب مختلف عما نشأت عليه، يجمع ما بين انفتاحهم على واقعهم الجديد، والحرص على ما لا يغضب الله.

وفي وسط محاولاتي الاندماج في مجتمع مختلف، مختلف في اللغة والدين والعادات والتقاليد، وأن أترك أثراً ما عند الرحيل، تتعرض أسرتنا الصغيرة للكثير من المواقف والتحديات، تحتوي العديد من القصص والدروس والخبرات.

قررت منذ عامي السابع في ألمانيا أن أتفرغ لرعاية أبنائي، وبقناعتي أنه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وجدت أن العمل وربما الدراسة لا مكان لهما عندي إذا ما قررت أن أراعي الأمانة التي رزقني الله بها.

تُختصر حياة الأم عادة، خاصة إن لم تكن أماً عاملة، في تربية أبنائها ورعايتهم، ورعاية منزلها والحرص على سعادة أسرتها، ينظر لها البعض على أن تطورها في العالم قد توقف في اللحظة التي قررت فيها التفرغ لرعاية الصغار، وتناست هي أن تربية الأبناء هي مرحلة ما من مراحل حياتها، تنتهي بوضعهم على أعتاب طريقهم الخاص، لتجد نفسها في النهاية وقد وصلت لمحطة لا تعلم بعدها في أي طريق عليها أن تسير، ما بين شعورها بانتهاء رحلتها قبل الأوان، وبأن في العمر والصحة والطاقة ما زال هناك متسع، إلا أن الطريق بات باهتاً، لا تستطيع تبينه، ربما يتطلب الأمر أن تبحث في أثناء مرحلة تربية الأبناء عما يمكن أن يمثل لها مستقبلها ومرحلتها المقبلة.. تبدأ فيها بدايات بسيطة، تبني عليها مع الوقت، لتجد أنها تمتلك طريقاً واضحاً تستطيع أن تسير فيه، عند رحيل الأبناء ونهاية مرحلة اعتمادهم عليها.

ما بين دوري كأم، ورغبتي في ترك أثر ما في الدنيا، تدور بداياتي، ومن البدايات تأتي دروس الحياة، فوراء كل درس بداية ما أدت إليه، وطورت أحداثه ونتائجه، لكل بداية منها حكاية، وفي كل بداية منها تحدٍّ جديد.

عن تربيتي لأبنائي في ألمانيا، وبحثي عن ذاتي ونفسي لمستقبل الأيام، من واقع الحياة لمسلمة في أوروبا تدور تدويناتي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.