المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

روزماري سليمان Headshot

الربيع العربي وخريف الحريات!

تم النشر: تم التحديث:

لماذا فشل الربيع العربي؟ هذا ما سألني إياه أحد أساتذة سياسة الشرق الأوسط بأحد المؤتمرات باليابان، ساد القاعة الصمت ووجه جميع الحاضرين نظرهم إليَّ في اهتمام بالغ؛ انتظاراً لإجابة وافية لهذا السؤال، دار في ذهني لبضع دقائق هتافات الشباب في ميدان التحرير: "عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية"، ثم تراءت أمامي صورة لبعض الشباب وهم ينظفون الميدان بأيديهم، ورمى إلى مسامعي أيضاً صوت أحدهم مجيباً على إحدى المذيعات "إنه وطننا نحن سنده وهو سندنا"، وأثناء استرجاعي لهذه الذكريات المجيدة قاطعني صوت الأستاذ بنبرة ساخرة: هل أعتبر صمتك امتناعاً عن الرد؟ أم أنه كناية عن أن ما حدث كان خريفاً وليس ربيعاً كما تزعمون؟ فقلت له: لا، ولكن كنت أسأل حالي ما هو النجاح حتى أستطيع أن أجيبك السؤال: هل النجاح في تحقيق الثورة لأهدافها؟ أم أنه يكمن في القيام بالثورة نفسها؟ ففي عالمنا العربي أن تطالب بحقك في حرية التعبير وأن تعترض على نظامك الذى يعتبره بعض قادة الدين يندرج تحت بند "الخروج على الحاكم" ويعتبرونه كفراً بأعرافهم هو نجاح، أن تقاوم كل القيود المجتمعية والدينية وترفع صوتك مطالباً بالحرية في بلاد تغلغلت فيها الديكتاتورية ويشرب فيها الجميع الظلم كالماء هو في حد ذاته نجاح، بل هو نجاح، سواء حققت الثورة أم لم تحقق مطالبها.

إن تاريخ العالم السياسي زاخر بقصص الثورات والملحمات الوطنية التي حقق بعضاً منها مبتغاه، بينما لم يحقق البعض الآخر منها أي شيء كالثورة البرتقالية في أوكرانيا أو ثورة المظلات في هونغ كونغ، وفي الحالتين لقبهم التاريخ السياسي بلقب ثورات أو حركات مناهضة.. لماذا إذن يطلق على تلك الحركات المناهضة التي لم تحقق أهدافها لقب ثورات؟ إن الثورة لا يمكن اختزالها في مجموعة حشود تنزل إلى الشوارع لتهتف رغبة في تحقيق شيء ما، و لكنها ثقافة في حد ذاتها.. صرخة في وجه الظلم والاستبداد واعتقال حرية الرأي.. طوفان من التغيير في وجه الأنظمة الاستبدادية التي ترغب في تنظير هيمنتها وقهرها على شعبها إلى الأبد..

"أحياناً يؤمن الناس باعتقاد معين إلى درجة كبيرة، إيمانهم الأعمى هذا يجعلهم لا يرون مساوئ هذا الاعتقاد أو سلبياته، بل إذا ظهرت أدلة تدين أو تنتقد هذا الاعتقاد هاجموها وهاجموا أصحابها وأرجعوا كل فشل في معتقدهم إلى هؤلاء المنتقدين، معللين أنهم بأدلتهم هذه قد عرقلوا مسيرة تقدمهم"، هذا ما قاله المفكر السياسي الكبير فرانتز فانون في كتابه بشرة داكنة وأقنعة بيضاء عن سياسة التجبر والاستبداد التي يمارسها كل من له سلطة على من يحاول انتقاده وتقويم مساره وتسمى مثل هذه الحالة بنظرية التنافر المعرفي؛ حيث لا يحتمل القوي أو كل من له سلطة أن ينتقده الضعيف، فيسرع إلى ممارسة سلطته الاستبدادية عليه حتى لا يعاود انتقاده ثانية، ويجعله عبرة لمن لا يعتبر.

في هذه الحالة يلجأ الضعيف إلى رفع سلاحه الفكري، ومن هنا -في رأيي- تقوم الثورة ويحسبه التاريخ نجاحاً، فمنهم من يثور ببعض الكتابات الساخرة، ومنهم من يكتب المقالات المعارضة، بينما يستغل آخرون هوايتهم في الغناء أو التمثيل ليعبروا عما يعانونه من ظلم وقهر بمنتهى الحرية الفكرية.

ولكن ماذا إذا كانت بلادنا حتى النوع الأخير من الحريات لا تسمح به؟ ماذا إذا كممنا كل الأصوات وكسرنا كل الأقلام وقتلنا كل فكر مختلف؟ وقتها لن تستحق بلادنا لقب دولة، بل ستصبح مجرد سجن كبير لأبنائها.. إن مفهوم الحريات في بلادنا مثله مثل مياه الشرب والأطعمة المسرطنة غير مطابق لمواصفات الجودة العالمية.. إنه مفهوم على نهج مشهد عادل إمام الشهير "لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي"؛ فحريتك مكفولة ما دمت موالياً للنظام، أما إذا فكرت أن تستغلها في رصد سلبياته ستسحب منك على الفور وبدون أي مبررات.. وعندما تسلب الحريات تسلب العقول فتسلب الأوطان فنصبح عبيداً.
الدولة التي تخشى برنامجاً ساخراً أو أغنية محاكة بخفة ظل تعبر عن واقعنا الأليم هي للأسف تشهد بنفسها علي ضعف كيانها، وأنها غير قادرة على مواجهة الواقع فتضطر إلى تطبيق نظرية التناقض المعرفي لسد أفواه كل من تسول له نفسه ويستجمع ما بقي من شجاعته وكرامته المهدرة ليقول: "إني أعترض"، هي دولة غير قادرة على الدفاع عن نفسها فتلجأ إلى ممارسة العنف والتنكيل حتى لا تهتز صورتها.

لا بد أن يكون كيان الدولة أقوى ما فيها وقوته هذه ليست في هيمنته وسلطويته واستبداده إنما هي قوة كفل الحريات للمؤيد والمعارض.. قوة تفتح مجالاً للنقاش بين الرأي والرأي الآخر. هذه هي الدولة الحقيقية وهكذا يجب أن يكون كيان الدولة السياسي. الدولة التي تقمع شعبها ليست دولة منصفة وليست دولة آمنة، ولذلك يسقط ضحايا من أبنائها كل يوم، تارة بسبب الإرهاب، وتارة بسبب الإهمال، وتارة بسبب القمع والاستعباد.. أي كيان هذا الذي يجعل شغله الشاغل هو القضاء على المعارضة بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، متناسياً مشاكل البلاد الأساسية والهدف الذي أوجد النظام من أجله ليقضي على ما في البلاد من بطالة وفقر وأمية؟ أي كيان هذا الذي يشغله برنامج ساخر أو مقال جدلي فيوقف القنوات ويغلق النقابات تاركاً مساحة الحرية لا لأبناء الوطن بل للعدو الذي رأى الدولة غارقة في التخطيط للزج بأبنائها في السجون وتحطيم إرادتهم بقبضتها، فيأتس هو بمنتهى السهولة ليدس المخططات الإرهابية ويشعل الحرائق ويقتل ويخرب ويروع أمن ساكني الوطن؟

إذا أرادت دولة ما النهوض بشعبها لا بد أن تسمع لرأي المواطنين السلبي منه والإيجابي، أن يصفق لك الجميع لا يعني بالضرورة أنك على حق، فقد يكون التصفيق إرغاماً؛ لأنه إذا لم يصفق حكم على نفسه بالتجرد من صلاحياته كمواطن وبالتشكيك في وطنيته وانهال عليه سيل الاتهامات واللعنات، ولكني ما زلت لا أعتبر ذلك فشلاً، ولا أعتبر الربيع العربي خريفاً؛ لأني أؤمن أنه أينما وجد الاستبداد وجدت المقاومة، وأينما وجدت الرؤوس المنحنية الخانعة، وجدت الرؤوس المرفوعة الأبية التي اختارت الصمود لتغير هذا البلد وتخلق منه الأفضل.. هذا البلد الصامد لن تكسر رقبته ولن يباع جزءاً منه حتى لو اعتقلوا المئات بل الآلاف منه.. صمود شبابنا رغم القهر ورغم الظلم ورغم ضيق أفق النظام هو في حد ذاته ثورة، ابتسامتهم رغم الألم هي في حد ذاتها نجاح، أملهم الكبير أن بلادهم ستصبح بأفضل حال هو الذي يبدل خريف حرياتنا ربيعاً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.