المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

روزماري سليمان Headshot

"أنا مواطن مصري وعندى حقوق مصرية" .. حقًا؟!

تم النشر: تم التحديث:

"أنا مواطن مصري وعندى حقوق مصرية" .. تلك الجملة الشهيرة التي قالها الممثل الكوميدي أحمد حلمي بفيلمه الساخر (عسل أسود)، والتي يتندر بها المصريون كلما ضاق بهم الحال من الظلم المجتمعي والفساد السياسي والمحسوبيات بحسهم الفكاهي، لا تعبر إلا عن قهر داخلي ويقين بأنهم لن يحصلوا على حقوقهم في هذا البلد؛ لأنه ببساطة (مصري)!

ولكن بدلاً من الخوض فى سلبيات المجتمع، دعونا نفكر فى كيفية تطوير هذا المجتمع؟ ماذا ينقصنا حتى نشعر بأن كلمة (حقوق مصرية) لم تعد نكتة ساخرة؟

أتعرفون ما المشكلة؟ المشكلة لا تكمن في سياسة مصر أو في وضعها الاقتصادى، إنما هي ترتبط عكسيًّا بالمستوى الأخلاقي الذي -من وجهة نظري المتواضعة- هو أساس تقدم الشعوب ورقيها، فكلما تدهور، تفاقمت السلبيات وانحدر المجتمع للأسوأ، وبات الوطن مجرد قوة طاردة لأبنائه الذين فقدوا الأمان بين جوانبه.

إن سبب تخلف مجتمعاتنا عن ركب الحضارة هو عدم وضع الأخلاق على قائمة أولوياتنا، وهنا تكمن المشكلة. للأخلاق أهمية مماثلة لأهمية وجود الدين لنا في مجتمعاتنا العربية. فهل يمكنك أن تتخيل أن تقول إنك بلا دين في مصر؟ بالطبع لا، أليس كذلك؟ ولكن للأسف نحن لا نعطي الأخلاق قدسية الدين ليصبح تديننا بلا أخلاق، نهتم بالمظهر ولا نبالي بالجوهر لنصبح أمة جوفاء ولهذا السبب لا نتقدم.

المشكلة أيضاً تكمن في أننا لا نريد إعمال عقولنا فقد تبرمجنا على الرضوخ للمسلَّمات دون حتى التجرؤ على التفكير لماذا قبلنا بها، وما مدى النفع والضرر العائد من وراء هذه المسلمات؟

مثلاً نحن ندرس من الصغر الديانات السماوية ونتبارى في حفظ الآيات من الكتب المقدسة والذهاب إلى دور العبادة، ولكن لماذا لم نسأل نفسنا عن سبب تصدر مصر أعلى القوائم في التحرش والاغتصاب، ألسنا دولة متدينة؟

أليس من المفترض بنا أن نُعمل تلك القيم الدينية لتصبح دستوراً حياتيًّا مُعاشاً؟ ولكن لا ليست هذه الحقيقة، الحقيقة كلنا نعرفها ونتألم بسببها، ولكننا نرفض الاعتراف بها كإصرار الطفل كذباً على أنه بخير حتى لا يتناول الدواء المر، وهو لا يعلم أنه أولى خطواته نحو الشفاء.

الحقيقة أننا متدينون ظاهريًّا، نرتدي عباءة الوقار الديني كنوع من أنواع البرستيج الاجتماعي، هو رجل متدين.. هي فتاة صالحة، ولكننا لا نسأل أنفسنا هل هو على خلق بنفس قدر تدينه؟ سأجد البعض يجيبني نعم فكل متدين هو على خلق. أعتذر منكم، ولكن هذا خطأ فادح ومجتمعاتنا تشهد بأن لدينا خللاً في هذه المسألة.

فى المدارس اليابانية تدرس مادة إجبارية من الصف الأول وحتى الصف السادس الابتدائي اسمها (دووتوكو) أوالطريق إلى الأخلاق. تلك المادة ليست مادة نجاح أو رسوب، ولكن الهدف منها كاسمها هو السير على نهج الأخلاق. بهذه المادة يتعلم الأطفال، ألا ينظر بعضهم للآخر بحسب مستواه الاجتماعي أو مرجعيته الدينية أوالثقافية، إنما يعامله كإنسان وهي -إن جاز القول- أسمى درجات الرقي الإنساني، والهدف الذي خلقت الديانات لأجله.

أثناء زيارتي لإحدى المدارس اليابانية رأيت طالباً لا يتعدَّى عمره السبع سنوات مرَّ أمامه عامل النظافة فانحنى له ملقياً عليه التحية، فاقتربتُ من الطالب وسألته باليابانية لماذا تنحني له هل هو أستاذك بالصف؟ فقال لي لا ولكن قالت لنا المعلمة أن المدرسة بدون عامل نظافة لا تساوي شيئاً، وأن هذا الرجل ينظف المدرسة ليجعلها في أفضل صورة حتى يمكننا الدراسة بها وطلبتْ مننا أن نعبر دائماً عن امتناننا له بإلقاء التحية كلما مررنا به في الفناء.

هذا هو الدين الذي أتحدث عنه، إنه دين الإنسانية، إنه دستور الأخلاق، إنها القيم التي تغرس في البراعم حتى تثمر وتنتج لنا مجتمع اليابان بأدبه وأمانته وأخلاقياته التي لا نظير لها في العالم.

لماذا الاعتراض على إبدال مادة التربية الدينية بمادة الأخلاق في التعليم؟ كلما ظهر مسؤول ليناقش ذلك الموضوع لا يسلم من السب والقذف والاتهامات بأنه يحرض على الكفر وترك الدين. لا أعرف ما الكفر في أن نقنن أدوار المؤسسات التعليمية؟ لدينا دور عبادة في كل مكان ولدينا قنوات دينية لا تعد ولا تحصى، والكتب المقدسة تملأ بيوتنا، ألا يكفي هذا؟ ماذا أضاف تدريس التربية الدينية بالمدارس؟

ولكن إذا أردتم صدق القول فالمدارس لديها مشكلة.. لأنها تقوم بدور ليس بدورها.. المدارس ليست مكاناً لتلقي الدين، ولكنها مِحْراباً للعلم والفضيلة. فعندما تقوم مؤسسة ما بدور ليس من شأنها أن تقوم به أحدث ذلك خللاً بالمجتمع. ما الفائدة من تدريس الدين وتهميش الأخلاق فيخرج جيلاً لديه مشكلة فى قبول الآخر، يعتبر المختلف عنه دينيًّا مصيره النار؛ لأنه كافر، المغاير له ثقافيًّا هو جاهل وعنصري. لماذا نهاجم كل صاحب فكر جديد دون حتى أن نعطيه الفرصة ننقض عليه سباباً وطعناً لأنه لمس التابوهات؟

ليس كل من يطالب بالتغيير عميل، وليس كل من يطالب بثورة محرض.. نحن من نخلق التابوهات الفكرية.. نحن من نسيء إلى بلادنا كل يوم عندما نختار ألا نفكر، عندما نرضخ ونسلم للواقع دون حتى أن نسأل أنفسنا لماذا وصلنا إلى ما نحن عليه؟

رفضنا للفكر هو خطيئة، عدم اهتمامنا بالأخلاق كاهتمامنا بالدين هو خطيئة، تهميش كل ما هو مغاير عن المسلمات التي اعتدنا عليها أيضاً خطيئة، وكما قال أفلاطون: نحن مجانين إذا لم نستطع أن نفكر، ومتعصبون إذا لم نرد أن نفكر وعبيد إذا لم نجرؤ أن نفكر. فلنعطِ لأنفسنا فرصة، فقط فرصة واحدة للتفكير ولقبول الفكر الآخر. لن تتقدم بلادنا إلا إذا اعترفنا أن لدينا خللاً في المفاهيم الدينية والأخلاقية. نحن الذين نسيء لمجتمعاتنا لا مجتمعاتنا التي تسيء إلينا.

ونحن أيضاً القادرون على إنهاض بلادنا التي طالما كانت نبراساً للحضارة على مر العصور، تلك البلد التي علمتنا وما زالت تعلمنا كيفية التعايش مع كل ما هو مختلف. فسكنها أجدادنا الفراعنة والرومان والبطالمة والأقباط واليهود والعرب..

لم تلقب مصر بـ(أم الدنيا) عبثاً، ولكنها استحقت هذا اللقب عن جدارة؛ لأنها كانت مهد حضارات عديدة على مدار آلاف السنين. أتمنى أن تكون بلادنا جديرة بأن يطلق عليها بلد الإنسانية بدلاً من أن يطلق عليها بلد الدين والتدين وكل ما فيها منافٍ للأخلاقيات، وبات الدين فيها مجرد رمز أو سبوبة لبعض المرتزقة من السياسيين.

أطلب ذلك لأني أحب بلدي، ولا أحد يزايد على وطنيتي.. أطلب ذلك لأني "مواطن مصري وعندي حقوق مصرية".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.