المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

روزماري سليمان Headshot

في بلاد اللاترامب: الحياة لحسن.. والموت لمرقص وكوهين

تم النشر: تم التحديث:

بعد أن اجتاح دونالد ترامب السباق الرئاسي، وفاز الحزب الجمهوري بالرئاسة بعد سنين طوال، تصاعدت الانتقادات والمخاوف من المجتمع الدولي، فمثلاً أعربت اليابان عن خوفها جراء وجود الثكنات العسكرية الأميركية بجزرها وتساءلت: هل ستُجْبَر على الدخول في الحرب حتى تضمن بقاءها تحت مظلة أميركا النووية؟ بينما غضبت الصين بسبب التصريحات اللاذعة التي صرح بها ترامب، والتي ستشكل خطراً كبيراً على العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية بين البلدين، وما إلى غير ذلك من المخاوف التي أصابت أغلب بلاد العالم بالذعر، بعدما وصل ترامب إلى مقعد الرئاسة.


العرب أيضاً ليسوا استثناء، بل في اعتقادي الشخصي أن خوف العرب من ترامب قد يفوق خوف البلاد الأخرى، وإذا سألنا ببساطة: لماذا يخاف العرب من ترامب؟ ستكون هذه بعض الإجابات المتوقع سماعها؛ لأنه يكره الإسلام، لأنه سيقنن أعداد المسلمين، لأن العرب المقيمين بالولايات المتحدة قد يتعرضون للاضطهاد الديني والعرقي.

ولكن دعوني أبشركم.. ببلاد ترامب يوجد هناك مفهومٌ غريبٌ على آذاننا -نحن العرب- يُدْعَي "المساواة"، فيا أيها الشعب العربي العظيم، صدقوا أولا تصدقوا، في بلاد ترامب جميع المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، وإن قَصَّرَ أحد المسؤولين، بمن فيهم رئيس البلاد، شَهَّرَت به الصحف ووسائل الإعلام، وخرج عليه آلاف المواطنين الأميركيين المسلمين منهم وغير المسلمين؛ ليشجبوا الاضطهاد، وليؤكدوا أهمية المبادئ الأساسية التي قامت عليها هذه البلاد، وهي المساواة في حقوق الانتماء والمواطنة دون النظر إلى العرق أو اللون أو الدين أو الجنس.

خلال فترة إقامتي بالولايات المتحدة، وأنا في انتظار القطار وقفت بجواري فتاة محجبة، لاحظت بعدها أن هناك فتاة تنظر إليها باهتمام شديد، فوجئت بعدها بالفتاة المحجبة وقد تركت من بين أيديها كل حقائبها ووقفت تنظر للأخيرة في تحدٍّ، ثم قالت لها بالإنكليزية: هل هناك شيء؟ فرَدَّت الأخيرة: لا، لا شيء.. فقط يعجبني لون حجابك! وسرعان ما تبدلت نظرة الفتاة الدفاعية إلى ابتسامة وعاد السكون إلى المكان.

هكذا يأخذ العرب حقوقهم، وهكذا تتكلم المرأة بمنتهى الحرية، وتواجه حتى النظرة بمنتهى القوة والشجاعة، ليس لأنها قوية، وليس لأنها تدافع عن دينها، بل بمنتهى البساطة؛ لأنها تعلم أن هذا البلد يعامل الجميع بتساوٍ أمامه، وأنها إذا قدمت شكوى في المحكمة لن يكون اختلاف الدين معياراً يُحَدَّد على أساسه كم العقاب، ولن يتواطؤوا مع المذنب بدافع وحدة المعتقد، بل بمنتهى البساطة سيعتبرونها إنسانة لها كامل الحقوق والواجبات في هذا الوطن.

فلنعكس السيناريو وننظر لأوطاننا المسكينة، فلننظر لكل بلد عربي؛ حيث لا يوجد ترامب ولكن يوجد ما هو أسوأ، يوجد ملايين الدواعش، لا أقصد بداعش هنا التنظيم الإرهابي الذي يُزْهِق أرواح الأبرياء بحجة الثأر للإسلام، ولكني أعني الإرهاب الفكري، ذلك التعصب الأعمى وتلك الكراهية السوداء التي تشكل خطراً أبشع بكثير من التنظيمات الإرهابية؛ لذلك أسميهم دواعش الفكر، هم الممولون الحقيقيون للتطرف والهمجية، هم من يبثون السموم بعقول أبنائنا، هم من نراهم يفرحون ويهللون بوسائل الإعلام، عندما تجتاح إسرائيل الحرائق، وعندما تنفجر الكنائس، فيهللون ويصيحون بالتكبيرات، معتبرين ما حدث نصراً على الكفار وعبرة لهم حتى يهتدوا إلى الإسلام.

في بلاد اللاترامب يعلن أحد المطاعم الشهيرة أن المسيحيين لا يمكنهم العمل به، ولا بد أن تملأ خانة ديانتك في البطاقة.. في بلاد اللاترامب يرقصون على أشلاء الأقباط المبعثرة في الكنائس.. في بلاد اللاترامب أيضاً يدعون إلى تقنين بناء الكنائس وينادون بانتزاع صلبانها ومنع أجراسها؛ لأنها مؤذية للسمع، بينما خطب الجمعة التي تمتد إلى ما يزيد عن الساعة، والتي لا تخلو من سب وإهانة لغير المسلمين لا تؤذيهم.. في بلاد اللاترامب لا قيمة لحقوق المواطنة، ولا يُقبَل الاختلاف الفكري، والمختلف دينياً هو مسكين محتاج لـ" الهداية".. في بلاد اللاترامب يخرج علينا الدعاة المرتزقة ليهددونا بأن ما حدث سيحدث مثله، بل وأكثر منه، و"اللي مش عاجبه يروح كندا!".


ورغم ذلك لا تخرج التظاهرات ولا تصيح الأقليات من الظلم الجائر، وإن تضامن معهم المعتدلون نالوا نصيبهم من الإهانة والتشكيك في حقيقة إسلامهم.. في بلاد اللاترامب حيث كان يعيش حسن ومرقص وكوهين، أزاحوا كوهين وجارٍ القضاء على مرقص؛ ليعيش حسن وحده يرقص على أشلائهما.. في بلاد اللاترامب حيث لا يوجد ترامب توجد داعش، توجد الأفكار المسمومة التي تتخلل كل جانب من جوانب حياتنا.. إن كنتم تخافون ترامب لما ينوي فعله فتأكدوا أن المجتمع الدولي لديه ما يردعه عن نياته، ولكن من سيردع الاضطهاد في بلادنا بلاد اللاترامب؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن تسألوه لضمائركم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.