المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رقية حمزة  Headshot

حلب.. المشهد الأخير

تم النشر: تم التحديث:

تُظهر حالة التفاعل مع المجازر التي تقع في مدينة حلب السورية المشهد وكأنه مشهدٌ مفاجئ غير متوقع، أو لعله لم يكن وارداً في الحسبان، بينما تبدي الحقيقة المشهد ذاته بشكل مختلف، فالمجازر كانت قاب قوسين أو أدنى في ظل تتابع الأمور التي كانت تكشف يوماً بعد يوم عن مزيد من التعقيد الذي أحاط بالتطورات الميدانية والسياسية في المدينة على حد سواء.

على صعيد المشهد السياسي، لم تكن تصريحات السياسيين تخفي مصير المدينة، فقد تتابعت التصريحات والمواقف خلال الأسابيع الماضية، التي كانت تشير إلى قرب حسم المشهد في حلب لصالح الأسد والذين يحالفونه ضد أبناء شعبه -روسيا وإيران والميليشيات الطائفية- خاصة في أعقاب الاتفاقيات التي أبرمت بين الدول الكبرى التي تتحكم بمصير العالم والمنطقة؛ حيث نشر موقع القبس الكويتي ما مفاده -بحسب ما نسب لمصادر خاصة- أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري طالب خلال الاجتماع الذي عقد في باريس يوم السبت الماضي على مستوى وزراء الخارجية المعارضة السورية "بالاستسلام"، وإخراج كل المقاتلين من حلب، كذلك شدد على ضرورة دفع المعارضة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات في جنيف دون قيد أو شرط، مشيراً في الوقت ذاته إلى عدم وجود ضمانات لهم في أي شيء.

في ذات الوقت، كشفت مصادر مقربة من المعارضة السورية عن أن اجتماعاً دار بين المعارضة ومايكل رانتي، المبعوث الأميركي لسوريا في تركيا، قبيل أيام من سقوط حلب، وبَّخ فيه رانتي المعارضةَ لانسحابها من مؤتمر جنيف 3، موضحاً أن ما يجري في حلب هو عقوبة أيضاً على عدم فك ارتباط فصائل المعارضة المسلحة مع جبهة النصرة، داعياً المعارضة إلى العودة لطاولة المفاوضات في جنيف دون شروط مسبقة.

العبث الأميركي بالأزمة السورية لم ينتهِ عند هذا الحد، فقد كشف موقع الخليج أون لاين القطري عن أن واشنطن عرقلت المفاوضات السرية التي احتضنتها العاصمة التركية أنقرة بين وفد من وزارة الدفاع الروسية وبعض من ممثلي المعارضة السورية؛ حيث كان الاتفاق الأولي يقضي بخروج عناصر فتح الشام (النصرة سابقاً) مقابل إعلان الهدنة وإدخال المساعدات الإنسانية بإشراف المجلس المحلي في حلب، وتعهدت موسكو بعدم دخول قوات الأسد والميليشيات الإيرانية إلى شرق المدينة، لكن الولايات المتحدة اقترحت على الجانب الروسي إخراج كافة المقاتلين، ما تسبب في إفشال المفاوضات.

البعض رأى أن إفشال أميركا للمفاوضات كان بمثابة عملية احتجاج على استبعادها من الاجتماع.

ميدانياً، نجد أن المعارضة السورية انسحبت بعد التقدم الذي أحرزته وحررت من خلاله كامل تراب المدينة ونجاحها في فك الحصار الذي استمر لسنوات، إضافة إلى بدء إدخال المساعدات الإنسانية، من جهة أخرى شهدت الساحة حالة تناحر بين الفصائل المعارضة المسلحة بدلاً من السعي نحو توحيد الجهود ضد نظام الأسد الدموي، ليعقب ذلك بسويعات قليلة هجمات مكثفة من قِبل قوات النظام على أحياء المدينة، وشن قصف متواصل بدعم روسي إيراني، وفي غضون ساعات تسقط حلب في يد ميليشيا الأسد من جديد، التي نفذت عمليات إعدام ميدانية بحق المدنيين على مدار أيام.

على صعيد المشهد الإعلامي، ومن خلال متابعتي لوسائل الإعلام الدولية، لم يخفَ عليَّ أنها اتخذت موقفاً يخالف كافة المعايير والأخلاق المهنية ولم تلقِ الضوء بشكل كافٍ على معاناة نحو ١٠٠ ألف مدني في حلب وما يتعرضون له، بل ركزت بشكل أكبر على التحركات السياسية الكاذبة، ولم تستمع إلى النداءات الأخيرة لأهل حلب المنكوبين، بل وصل الأمر إلى رفض عدد كبير من وسائل الإعلام العالمية تغطية الأحداث الميدانية في المدينة، بحسب شهادات عدد من الإعلاميين، وهو ما يكشف عن محاولات دولية للتعتيم على مجازر الأسد والروس، وقرار بتسليم المدينة ورهن سكانها للميليشيات الطائفية.

بخلاف كل ذلك، فإن المشهد الحقيقي والأخير في هذه الأثناء يؤكد أن سوريا عامة، وحلب خاصة، باتت مثل قطعة من الحلوى، تقسم بين المحاور المختلفة، تقتطع كل دولة منها جزءاً، في الوقت الذي تستمر فيه على الجانب الآخر عمليات التطهير العرقي والتهجير القسري لأهالي المدينة تحت أعين المجتمع الدولي كافة، في مقدمته دول الغرب، خصيصاً الدول التي تزعم أنها تسعى إلى حل الأزمة، مشهد لامرأة تحمل طفلاً وتهيم على وجهها في الحواري والأحياء، وشيوخ عاجزين يقلبون كفاً على كف، وأشلاء أطفال مهملة على الطرقات، أما الزعماء العرب فحدِّث ولا حرج عن عبث الغرب في مناطقهم العربية وتقسيمها فيما بينهم وهم في حيرة من أمرهم لا يحركون ساكناً ولا يتخذون موقفاً.

وأخيراً ستمر الأيام وننسى ما حدث في حلب ولن تكون سوى ذكرى عابرة كغيرها، لكنها وأهلها لن ينسوا تخاذل المجتمع الدولي، فقبل حلب كانت حماة واليرموك والغوطة وداريا والكثير من المناطق والمدن، والآن أصبح كل شيء بالماضي، لكنني ما زلتُ على أمل أن أرى مشهداً آخر، ونهاية أخرى لحلب وأهلها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.