المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفيدة محمد الشيباني Headshot

أرضٌ تحتضر, وملك الموت لا يستطيع التدخل

تم النشر: تم التحديث:

حالةُ احتضار

صوتٌ يهزّ سكون السماوات العُلا، يهرعُ على أثرهِ مَلكُ الموت مُتجهاً إلى المصدر، تصِلُ الأصواتُ من الأرض إلى السماء على هيئة ذبذباتٍ وشفرات يُفهمُ من خلالها من هو المَلكُ الموكَل له بإجابةِ كل صوت.

هذه هي المرةُ المائة بعد الألف التي يتكرر فيها هذا الصوت، ينادي أما آن لروحي أن تُقبض؟ أما آن لي أن أموت؟ حالةُ احتضارٍ جديدة ومرة أخرى يقفُ مَلكُ الموت في الجانب الآخر عاجزاً عن التدخل؛ إذ من غير الممكن أن يقبِضَ المَلكُ روحَاً في غير أوانها، فلا المكانُ هو المكان المقرر، ولا الزمان هو الزمان المحدد، وكما جرت العادة يُراقب المَلكُ ويُردد :"لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ" إيماناً وأملاً منه أن تجد الكلمات سبيلها إلى عقل هذا الإنسان.

حياةٌ من صُلب الممات

مُنذُ وقتٍ طويل عاشت الأمة العربية سلسلة متعاقبة من حالات الاحتضار، ودفعت نفسها دفعاً باتجاه الموت، فلا تكاد تفيق من نوبة احتضار إلا وتدخل في أخرى، والغريب في الأمر أن جميع هذه الخيارات كانت نابعة من إرادتها فهي تُغذي الألم بالألم والوهن بالوهن، وهي تُفضل الموتَ على الحياة، والهدمَ على البناء، والضيقَ بدلاً عن الاتساع والانتشار، فعلى سبيل المثال حين قررت ما تُسمى بدول الربيع العربي الانتقال لعهد جديد من الحرية لم تقُم ببناء منصة الحرية إلا بعد أن شهدت حالة انتحار في تونس وأخرى في مصر، وحالة قتل ثالثة في اليمن وسوريا، ومن قبلها العراق، قد ألفت القتل واعتادت عليه، وأصبح جزءاً لا يتجزأ من كينونتها،

في حين اختارت دولٌ عربية أخرى أن تسلُكَ بُعداً آخر مختلفاً، فلم تدخل كمثيلاتها في دوامة الصراعات والحروب، لكنها في المقابل انسلخت عن هويتها وقامت باستيراد فكرٍ لا يتماشى مع ثقافتها، وعلى كل حال يُعدُّ الخيار الثاني أخفَّ الضررين إذا ما تمت مقارنته بنتائج الخيار الأول، وعلى الرغم من غياب الهوية العربية في هذه الدول، فإن من الممكن ملاحظة ارتفاع ترتيب مؤشر السلام 2016 فيها من المتوسط إلى العالي،

لكن ذلك لم يحمِها من التأثر بأخواتها من دول الربيع العربي المحيطة بها؛ حيث ورد في تقرير التنافسية العالمية 2016 أن الوضع الاقتصادي لمعظم الدول العربية بشكل عام في تراجع مستمر نتيجة الاضطرابات والصراعات التي تشهدها المنطقة.

ينبغي على الأمة العربية أن تُدرك أن في عمرها بقية وأن الشمس لا تزال تتجلى من المشرق إيذاناً ببدء يوم جديد!! كما عليها أن تفتح آذانها للاستماع لنداء: "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ"، وتجدَ موقعها بين الأمم في: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطاً" وتفقه دورها من: "لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس"، وأن تستعين بقوتها على ضعفها.

أربع فرص للحرية

تقول الرواية إن ملكاً قد حكم على شخصين بالإعدام؛ أما أحدهما فكان يعرف مدى حب الملك لحصانه، فعرض عليه أن يُعلم الحصان الطيران في غضون سنة في مقابل الإبقاء على حياته، وتخيل الملك نفسه راكباً الحصان الطائر الوحيد في العالم فوافق.. نظر السجين الآخر إلى صديقه وهو غير مصدق، فقال: "أنت تعلم أن الخيل لا تطير فما الذي جعلك تقترح فكرة مجنونة كهذه؟"، فقال السجين الأول: "ليس الأمر كذلك؛ إذ إنني أعطيت نفسي أربع فرص لنيل الحرية: فأولاً قد يموت الملك في غضون السنة، وثانياً قد أموت أنا، وثالثاً قد يموت الحصان، ورابعاً قد أعلم الحصان أن يطير".

موقفٌ واحد وخيارات مختلفة، أما أحدهما فيختار الموت ويؤثر الاستسلام كون لا خيار أمامه، وأما الآخر فقد كان يعلمُ يقيناً أن للعمر بقية، وأن عليه تجاوز حدود العقل البشري؛ ليخلق خيارات جديدة، وأن يجعل من الافتراضات المستحيلة بوابة للانتقال إلى واقع متاح.

إن على الأمة العربية أن تُعيد النظر في جميع خياراتها المتاحة وغير المتاحة، وتختار لنفسها أن تُبعث من جديد.

الباعثون وعودة الموازين

الليلُ والنهار.. الشمسُ والقمر.. الحر والظل.. القوةُ والضعف.. السعادةُ والحزن.. الحياةُ والموت.. الخيرُ والشر.. الحقُ والباطل.. ثم الحربُ والسلام.. ألا ترى معي جميع هذه المتضادات!! لم يَخلق اللهُ شيئاً إلا وأوجدَ نقيضه، سُنن وقوانين كونية لا قِبل للإنسان بها، تفوق مستوى وعيه وإدراكه، لكنه تعالى أعطاه المساحة التي يُراقب من خلالها تأثير هذه السنن ويتعرفُ على نتائجها وإمكانية توظيفها في حياته،

ومن الأهمية بمكان أن ننتبه إلى مسألة مهمة هنا وهي أنه لا توجد قوة تستطيع أن تطغى على أخرى حتى وإن كانت هذه القوة هي قوة الحق أو قوة الخير، إن شئت فاقرأ قوله تعالى: "لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ".

إن القوانين والسنن تعمل عملها في الكون بثبات، لا يعنيها صدقُ الحق ولا زيف الباطل، كما أنه لا سلطة لها في الفصل بين ظلم الشر ومظلومية الخير، ومن هنا كان لا بد أن تتوقف الأمة عن التفكير في إمكانية انتظار زوال الباطل للأبد والاستمرار في محاربته.

يبدو أن الأمة العربية قد غاب عنها هذا المعنى تماماً فبدلاً من أن تهتم بتعزيز الخير الموجود لديها نجدها تنشغل بمحاربة الشر رغبة منها في إنهائه دون جدوى، إن قوة الباطل لا تعمل عملها إلا إذا تدنى مستوى قوة الحق؛ لذا فليس غريباً اليوم أن أمتنا العربية لا تزال عالقة في صراعات ودوامات احتضار وغياب هوية لا تستطيع الخروج منها وكل ما يُمكنها عمله هو الانتظار تارة والصراخ في وجه الباطل تارة أخرى.

لن تعود الأمة إلى صوابها إلا بوجود باعثين يقومون بإعادة التوازن لهذه الأرض، ولكن كيف ذلك؟

نعلم جميعاً تاريخ الصراعات التي شهدتها أوروبا والعصور المظلمة التي مرت بها، إضافة إلى تجربة اليابان أيضاً، كما أننا نعلم أيضاً مستوى التقدم الذي تحظى به هذه الدول في العصر الحالي، ولكن ما نجهل تفاصيله هو المرحلة الانتقالية بين الحرب والسلام، اختارت هذه الدول خيار السلام عوضاً عن الحرب، أما نحن فما زال خيار الحرب يتصدر المشهد.

إن وظيفة الباعثين هو البحث في القناة التي تربط بين الحرب والسلام ودراسة إمكانية إعادة الموازين والعبور من خلال هذه القناة وإيجاد الأدوات اللازمة لهذا الانتقال، ثم حشد الأمة وتنظيم عملية عبورها لهذه القناة، ولا شك أن هذا الأمر ليس بسهولة كتابة هذه الكلمات، ولكنه أيضاً ليس مستحيلاً بوجود باعثين تستمد الأمة منهم قوة الحياة وقوة الإيمان بأنه لم يؤذن لها أن تموت بعد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.