المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفيدة محمد الشيباني Headshot

بِعْثة سلام.. رسالة عالمية لا قومية ولا عِرقية

تم النشر: تم التحديث:

إنما هم بشرٌ

النور قادمٌ من بعيد، من ذلك الاتجاه، لقد شارفوا على الوصول.. بعثة جديدة قررت القدوم من العالم الآخر لتحقق السلام على الأرض، هكذا قد قيل لنا.. فنحن لم يعُد بمقدورنا التعامل مع هذه القيمة.. قيمة السلام.. ولم يعد في وسعنا اختيار ما نُريد وما لا نُريد، يبدو أننا لم ننسجم أيضاً مع قيمة الحرية، كما أننا نتباين كشعوب، فمنّا من يتعلم من تاريخ الأحداث، ومنّا من لا يفعل، أُمم أصبحت تُشكّل عبئاً ثقيلاً على أمم أخرى ولا توازن.. على كل حال تدور تساؤلات حول هويتهم وهيئتهم: هل يحملون الأبواق التي ستُميتنا جميعاً؟! من غير الممكن ذلك، فهذه مهمة الملائكة، ولن يكون ذلك إلا بيوم البعث.

في الحقيقة فإن جميع التصورات التي رسمناها عنهم لم تكن سوى وهم استقر في عقولنا، فهم لم ينشأوا في بيئة مختلفة، ولم يسكنوا عوالم أخرى تختلف عن العالم الذي نعيشه، هم أهل الأرض مثلنا لا سواهم، يعيشون بيئتنا وتفاصيل واقعنا، غير أن ارتباطهم كان وما زال بالسماء دوماً، هذا الارتباط جعلهم يبتعدون قليلاً عن ضوضاء الأرض وأوجد لهم القدرة على النظر إلى صور ووقائع الأحداث بطريقة مكّنتهم من إدراك حقيقة رسالتهم في هذه الحياة، هم الباعثون لهذه الأمة، هم المجددون، هم رُسلُ السلام، هم خلفاء الأنبياء، ولعل الأرض تستطيع التعرف عليهم، على خلافنا نحن البشر ففي كل مرة توشك أن تهلك بأفعال ساكنيها، يأتي من يعيد لها توازنها، وقد كانوا من الأنبياء والرسل ابتداءً ثم المجددين والباعثين من بعدهم.

محمد صلى الله عليه وسلم نموذجاً

شَهِدت الأرضُ قُبيل بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- سلسلة متعاقبة من الصراعات والحروب، وكانت لا شك هالكة، ولم تكن المساحة الجغرافية التي عاش فيها النبي بمعزل عن التأثر بهذه الصراعات على المستوى العقائدي والثقافي والفكري والاقتصادي، سواء كأفراد أو كمجتمعات، انحدرت منظومة القيم وأُغفِلت القوانين التي تربط بين الإنسان وأرضه وتعزز دوره كخليفة فيها، وفي ظل كل هذه الفوضى كان محمد -صلى الله عليه وسلم- يعيش مُستعيناً على الإيمانِ بفطرته التي رفضت الواقع آنذاك، وأخذ يلتمس بقعة صغيرة من الأرض تصله بنور السماء، ولعل روحه -صلى الله عليه وسلم- قد نادت: يا خالق هذا الكون دُلّني عما يُعيد لهذه الأرض اتزانها، ولعله الوحيد الذي عُرج به إلى مسكنه في تلك السماء التي ألفها وألفته، لقد صدق الله، فاختاره الله ليَتّم على يديهِ بعثٌ جديد، فما كان "إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ".

لا يكون الأمر بتلك السهولة التي يُمكن من خلالها أن يسأل الإنسان ويُطالب بالتغيير ثم يُجاب دون امتحان أو اختبار، يتعارض هذا مع سنن الكون بالتأكيد، فكل ما تؤمن به ستُختبر به "وَقَلِيلٌ مَا هُمْ" الذين تتسع قلوبهم وتشمل العالمين جميعاً بالتالي، فالأمر الذي يُمكن أن يتعلمه الباعثون من نموذج النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الرحمة، والحب، والسلام.

رسالة عالمية لا قومية ولا عِرقية

يُقال إن الإنسان ابن بيئته، ومن هذا المنطلق ينشأ الارتباط العاطفي بينه وبين محيطه، ومع مرور الزمن يتشكل الوعي الجمعي في تلك البيئة، وتُصبح الأفكار والسلوكيات والثقافات جزءاً لا يتجزأ من كيان المجتمع ككل، ويُصبح انتماء الإنسان قاصراً على محيطه الذي أنشأه، يتعصبُ له ويُحاربُ فيه ويقتلُ لأجله، وكنتيجة لذلك انقسمت الأرض إلى مساحات تتشكل بحسب خصائص المجتمع الذي يسكنها، ولم ينتبه الإنسان إلى حقيقة "هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"، وأنه يهدمها بدل أن يعمرها، وأن جميع هذه الصراعات في العالم تعود إلى عدم وعيه بهذا المعنى، وهو أن الرسالة التي كُلِّف بها الإنسان غير مرتبطة بالمساحة الجغرافية التي يسكنها ولا بقوميته ولا عرقيته ولا حتى ثقافته "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"، هي رسالة عالمية تَصلُ شرق الأرض بغربها، وتجمعُ لا تُفرق، وتُصلح لا تُفسد، وتبني ولا تهدم.

إن الباعثين والمجددين على مرّ التاريخ قد أدركوا ذلك وأعادوا تعريف الأرض بالنسبة لهم؛ لتشمل الارتباط بالناس جميعاً، مشروعهم "رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"، رسالتهم الحب والسلام، معراجهم دوماً إلى السماء، وهو ما يُفسر اعتقاد الناس بأنهم قادمون من مكانٍ ما خلف حُجب السحاب، اختارهم الله واصطفاهم ورضي عنهم ورضوا عنه.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.