المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفيدة محمد الشيباني Headshot

الربيع العربي.. رغبة في التغيير أم هروب من واقع؟

تم النشر: تم التحديث:

لا ينتقل الإنسان من حال إلى حال إلا إذا أُجبر عليه إجباراً أو فُرض عليه فرضاً.. حينما يتم استئصال أو زراعة جزء معين في الجسد فإن الإنسان يحتاج إلى تلك المدة الزمنية التي تجعله يقبل ذلك التغير الجديد ويتعاطى معه جسدياً ونفسياً، الأطباء يدركون ذلك حقاً ويُعايشونه باستمرار ويظلون في رحلة مراقبةٍ مستمرة حتى حدوث الالتحام التام وانتظام بقية الأعضاء بالعمل بصورة طبيعية، يُدرك الأطباء أيضاً أن هناك بعض الحالات تكون نهايتها الموت أو الإعاقة، وفي هذه الحالة ما يهم الأطباء هو أن يتأكدوا أن هذه الرحلة العلاجية قد أتمت مراحلها كما ينبغي دون حدوث خلل أو خطأ من جهتهم، وفي الغالب يتم وضع تلك الملاحظة التي تُفيد بأن هذا الجسد لم يقبل الجزء الجديد أو لم ينسجم مع غياب هذا الجزء في حال استئصاله.

من جهة أخرى، يحاول علماء النفس البشرية الإجابة على ما الذي يهابه الإنسان ويخشاه في مرحلة التغيير إيجاباً أو سلباً على السواء؟ دراسات علمية وأطروحات كثيرة في تفسير هذه الظاهرة، ولكن ما يهمنا هو متابعة تسلسل سلوك المواطن العربي بشكل مقتطف بدءاً من فترة ما قبل الربيع العربي، مروراً بأحداثه، ووصولاً إلى اللحظة الآن.

في مقارنة سريعة بين سلوك المواطن العربي ونظيره الغربي، فإن الغربي لا تشكل له فكرة التغيير أي رهبة، فسلوك حياته ونمطه يتسم منذ ولادته وحتى مماته بالتغيير، انتقال من بيئة إلى أخرى، من عمل إلى آخر، من بلد إلى بلد، ومجتمع إلى مجتمع، بل حتى انتقال من عائلة ورفقاء إلى آخرين، أصدقاء متجددين وبيئة متعددة الأفكار والقيم ومثل هذا النمط من الحياة جعل من التغيير سلوكاً اعتيادياً لديه على الرغم من ظهور بعض الرهبة من توقع الأحداث المستقبلية، لكنها سرعان ما تختفي بدافع الرغبة في تجربة الجديد.

في المقابل، نرى سلوك المواطن العربي يتسم بإيقاع ثابت ونمط حياة واحد ومنتظم لأسباب كثيرة لا يسعفنا الوقت لذكرها، ولكن الشاهد أن هذا النمط الثابت جعله يأمن ويألف هذه الحياة، وتولّد لديه الشعور بالخوف من أي تغير بسيط قد يطرأ في حياته، فهو يخشى الانتقال من وظيفته الحالية إلى أخرى، ويستدعي الأسباب المقنعة وغير المقنعة التي تحول دون انتقاله، وإذا ما انتقل بالفعل من تلك الوظيفة فهو انتقال بدافع الحاجة لا بدافع الرغبة في التغيير وتجربة الجديد، وهي لا تنتقل من بيت أهلها إلى بيت زوجها إلا بعد المرور بنوبة خانقة من القلق والتوجس مع تصورات مسبقة بما كان وتوقعات بما سيكون مستقبلاً، وهم قد اعتادوا نمط الحاكم الذي لا يرضى بأقل من الأبدية في الحكم ونمط المجتمع الذي لا يقبل بما دون حياة مألوفة قد خبرها سابقاً، شعارهم في ذلك "إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وأنا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ".

والسؤال هو إذا كان التغيير لا يُشكل قيمة عُليا لدى المجتمع العربي فلماذا كانت قضية التغيير هي الأساس الذي نادى به الربيع العربي؟!

حقيقةً لا أرى أن الرغبة في التغيير سبب جوهري في قيام حركة الربيع العربي، لكنني أراه الهروب.. الهروب من واقعٍ مؤلم لم يعد يُطاق، وأراه التحرر من القيود العالقة سنوات وسنوات طوالاً، وأراه السأم واليأس وأراه خيار الاستئصال أو الموت، وشتان بين التغيير والهروب، فالتغيير أساسه الرغبة والحب، أن أشعر بالامتنان والتقدير لما هو موجود، لكنني أرغب بالتجديد أو تطوير ما هو كائن دون الشعور بالحاجة إلى إنهائه، وقد يكون التغيير أيضاً إدراكاً بوجود خطأ قائم، وأن أقوم بمحاولة إصلاحه دون الشعور بالذنب لما قد كان من أخطاء ماضية، بينما الهروب أساسه الحاجة والحرمان، أن أشعر بالمعاناة وعدم الإيفاء بمتطلبات الحد الأدنى من العيش، أن أشعر بالاختناق والحاجة إلى التنفس، أن أشعر بالذنب، وأن أرفض وأكره ما هو قائم، وأن أُصارع للتحرر منه وإفنائه أو أفنى أنا، وأكاد أجزمُ أنه وفي حال امتلك بوعزيزي عملاً بسيطاً يُدرك به قوتَ يومه لما قامت ثورة ولا نودي بها.

هذا ما يُفسر استمرار الصراعات والنزاعات، سواء العسكرية الخارجية منها والداخلية أو حتى الفكرية، ولن تتوقف هذه الصراعات في سوريا واليمن وليبيا ومصر وتونس؛ لأنها كانت ولا تزال تتغذى على المعاناة والحرمان على الرغم من تباينها من دولة لأخرى، حركات التغيير المؤسسية التي طفت على السطح، والتي ينادي بها بعض الشباب حالياً بمن فيهم شباب الحركات الإسلامية، جميعها كانت وليدة لنفس الشعور، الحاجة والحرمان والظلم والألم والحنق والرغبة في التحرر، لاحظ أن جميعها لا تعمل من منطلق الحب والرغبة الحقيقية في التغيير فهي مدفوعة بدافع الهروب من نظام تمت معايشته طويلاً، وتربت ونشأت واستقت فكرها من خلاله، هذا النظام الذي باتوا يرونه مقيداً لهم لم يتم تحديثه ولا تجديده بما يتماشى مع متطلبات العالم، إضافة إلى تراكم الأخطاء ومواقف القمع الفكري المتكررة.

يبدو ذلك واضحاً من خلال كتاباتهم الناقدة بحدة أو نقاشاتهم وحواراتهم الناقمة، أو من خلال تدافعهم باتجاه ما يطلقون عليه "بالحركة الإصلاحية" داخل هذه المؤسسات.

ومع التأكيد على نبل وسمو الغاية وهو إصلاح هذه المؤسسات، إلا أنه لم تتم دراسة هذا التحرك دراسة منهجية علمية وصحيحة، ولم يأخذوا الوقت الكافي لتحليل السياق والأسباب الجذرية للمشكلات القائمة، إنهم لا يرون سوى سياق واحد فقط وهو إثبات الأخطاء السابقة ومحاسبة المخطئين وإبعادهم، وتسلّم مقاليد الأمور وزمامها بدلاً منهم، أو على الأقل تسليمها لمن يعتقدون أنه أهلٌ لها، غير مدركين أنهم ما زالوا عالقين في نفس الدائرة التي يقف بها أسلافهم، وأنهم يتحركون من خلالها، وسيعيدون ويكررون نفس الأخطاء، وسيسلكون نفس السلوكيات، وسيولد من يشعر بالحنق تجاه أخطائهم ويرغب بالهروب والتحرر منهم، وستتعدد وسائل العنف والإقصاء.

ما يجب على شباب الأمة:

ليست دعوة منا إلى عدم مناقشة الأخطاء وتحميل الأطراف المعنية مسؤوليتها كاملة غير منقوصة، لكننا ندعو شباب الأمة إلى التشافي أولاً، التشافي من الألم والمعاناة التي يحملونها في صدورهم والتحرر من أنفسهم بدايةً، فالألم يدعو إلى الألم، والمعاناة تدعو إلى المعاناة، والظلم يدعو إلى الظلم، والعنف كذلك لن يدعو إلا إلى عنف أشد وأعظم، إنه لا يوجد في تاريخ البشرية جمعاء حركة إصلاحية انطلقت من منطلق الشعور بالألم والظلم والحرمان إلا وكُتب لها الفشل، في المقابل نرى جميع الحركات الإصلاحية المدفوعة بدافع الحب تحمل بذور السلام،

الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً، فعلى الرغم من الظلم والعنف الذي تعرض له هو وأصحابه بكل أنواعه، إلا أنه كان مدفوعاً بدافع الرغبة بالتغيير بحب، الأنبياء جميعهم كذلك، غاندي ومانديلا أيضاً، ذلك لأن طاقة الحب هي الطاقة المحركة للتغيير الحقيقي وهي الطاقة الواعية التي تقرأ وتدرس وتفهم الواقع بحكمة وذهنٍ صافٍ خالٍ من المشتتات السلبية في حين أن طاقة الألم والحرمان هي طاقة تجلب الألم والعنف وعدم الوعي والقصور في اتخاذ القرارات بشأن الخيارات والمسارات المتاحة للتغيير،

وعدم القدرة على صياغة مشاريع حقيقية تجمع الأمة باتجاه واحد، مَثلهم في ذلك كمثل الهارب من سجانه ذاق منه جميع أصناف العذاب، ينطلق هارباً لا يلتفت يميناً أو شمالاً؛ لأن كل ما يرغب به هو التحرر من ذاك القيد وذاك الألم.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.