المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ردينا البعلبكي Headshot

الاتفاق النووي: الرابحون والخاسرون

تم النشر: تم التحديث:

مبهجة هي الصور التي وردت من إيران تظهر الشعب الإيراني محتفلاً برفع حصار دام 35 عاماً، عقب التوصل إلى الاتفاق النووي مع الدول الست في فيينا. إلّا أن اتخاذ موقف عقلاني من "الاتفاق التاريخي" يصبح أصعب، عندما تقابل صور المهرجان الملوّن في طهران، صور مسرّبة عرضت في واشنطن في مبنى الكابيتول هيل في 22 تموز 2015، وهي لجثث معتقلين سوريين قضوا تحت التعذيب في معتقلات النظام. لعل وجوه ضحايا المقتلة السورية في عاصمة القرار الغربية، هذه أيضاً جديرة بالتمعن في وجعها.

وصل الغرب بعد نحو 5 سنوات على اندلاع الانتفاضات العربية في العام 2011 إلى النتيجة التي انطلقت منها الأنظمة الديكتاتورية لحظة قررت انتهاج الحل العسكري بوجه المطالب السلمية بالحرية: إن شعوب هذه المنطقة، أو حفنة "الأطباء والمزارعين" على ما أسماهم الرئيس الأميركي باراك أوباما في أحد خطاباته، لا تستحق الديموقراطية.

ففيما لا تزال مراكب المهاجرين عبر شواطئ ليبيا إلى "أوروبا الموعودة" تغرق بمن عليها، ولا تزال البراميل المتفجرة تنهمر على المواطنين في المدن السورية، وعقب إعلان المفوضية العليا للاجئين وصول عدد اللاجئين جراء "مأساة العصر" السورية إلى 4 ملايين، وفي ظل استمرار داعش ببث عروض الذبح المستمرة، بدا لمواطني الدول المترامية على الأراضي بين إيران والمحيط الأطلسي، أن الأيادي التي امتدت في فيينا للمصافحة احتفالاً بالاتفاق النووي امتدت من فوق رؤوسهم وجثثهم، في "إنجاز تاريخي" يأتي ليطيل أمد أحلك أزماتهم عبر التاريخ.

فبعد أعوام من المراوحة، والتنديد الخطابي تارة بضرب النظام السوري عرض الحائط لبيديهات حقوق الإنسان، والدعم المحدود جداً لبعض فصائل المعارضة المعتدلة، والأحاديث الخجولة عن تدريب عناصر في معسكرات في الأردن وتركيا والتي تغير الهدف من تدريبها عن محاربة النظام السوري إلى قتال داعش، وبعد العودة في الربع ساعة الأخيرة عن قرار ضرب النظام السوري صيف 2013 عقب ثبوت ارتكابه مجزرة كيميائية بحق مدنيين في غوطة دمشق، حسمت أميركا وسائر الدول الست خيارها ومضت تتقدمها نخبة أجهزتها الديبلوماسية بخطى الواثق نحو اتفاق مع "الشريك الأقدر" على اجتثاث تنظيم داعش.

وأسهب صنّاع السياسات وعلى رأسهم الرئيس أوباما وطاقمه الديبلوماسي، والباحثون المتفائلون في تقديم الاتفاق على أنه "شر كان لا بد منه" يهدف إلى تأخير إمكانية حيازة إيران لقنبلة نووية لمدة 15 عاماً على الأقل، وبالتالي فإنه يخفف من الاحتقان الأمني في المنطقة الملتهبة من جهاتها الأربع.

وبالرغم من أن الاتفاق يكرّس الديبلوماسية حلاً للأزمات الطويلة والمستعصية مثل تلك القائمة بين إيران والولايات المتحدة، الا أن بعض بنود الاتفاق المندرج في إطار سياسة "الاحتواء" البراغماتية التي تنتهجها الإدارة الأميركية الحالية في موضوع قنبلة إيران النووية، وخاصة تلك البنود التي حذّر منها رئيس هيئة الأركان الأميركي الجنرال مارتن دمبسي، المتعلقة برفع الحصار عن استيراد إيران للأسلحة التقليدية والصواريخ البالستية، من شأنها أن تضخ المزيد من الوقود في المحرقة القائمة في المشرق العربي.

فإن رفع الحصار الشامل هذا عن إيران ولو بشكل تدريجي، والذي قايضت من أجله ما أعلنته مراراً أنه "حقها القومي" (أي امتلاكها برنامجاً نووياً)، بدعم ممنهج من حليفتيها روسيا والصين، سيكون مؤججاً لاستمرار دائرة العنف والاقتتال الطائفي في المنطقة.

لأنه وبانتظار أن تُخضع أميركا إيران لامتحان الوقت الكفيل بإثبات "حسن تصرف وامتثال" طهران، يبقى الرابحان الأكبر من الاتفاق النووي في المنطقة، هما داعش، والحرس الثوري الإيراني الذي وثقت مصادر رفع الحظر عن قائد فيلق القدس فيه قاسم سليماني منذ أول يوم لعقد الاتفاق.

فالحرس الثوري الإيراني، الغارق وحزب الله والعديد من الميليشيات الشيعية العابرة للحدود في القتل في سوريا العراق واليمن، ينتظر أن تؤدي الاتفاقية إلى زيادة في تمويله وقوته، كما ينتظر النظام السوري المأزوم اقتصادياً أن تنقذه إيران في أيام الرخاء التي يعد الرئيس الإيراني حسن روحاني أنها مقبلة عليها.

وداعش، لأنها نالت مجدداً ورسمياً وقوداً مجانياً لخطابها الطائفي القائم على المظلومية السنية واتحاد "أشرار العالم" ضد المسلمين السنة، بخاصة في العراق وسوريا، لتدعو السنة في العالم العربي وكل العالم للمزيد من الجهاد في سبيل وجودها.

أما الخاسرون، فهي وجوه الشهداء المثبتة على جدران المعارض في العواصم الغربية، وكل أولئك الذين خرجوا في أوائل العام 2011 إلى الشارع وحلموا في زمن البراغماتية المطلقة، وأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بتحقيق الديموقراطية ممن تركتهم "الاتفاقية التاريخية" خلفها.