المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ريتا بولس شهوان Headshot

مسرح تفاعلي عليك

تم النشر: تم التحديث:

الحياة ليست مسرحية، حتى لو تحلّى البعض بالحسّ الإبداعي لتأليفها. التمثيل على أشخاص على ثقة بمَن يتواصلون معه، وتحويل حياتهم إلى مؤامرة عليهم بالاتفاق مع من شارك في التمثيلية دون درايته، نتائجها مؤلمة على مسار الصداقة، النشاط الاجتماعي، الشخص نفسه، ونفسيته، كيف يعتمد البعض المسرح التفاعلي للتآمر، وما آثارها النفسية؟ قضية برسم المتخصصين.

ريتا بولس شهوان

"لديك قلم؟" طلبت عفيفة في تدريب في إحدى الجمعيات من جارتها التي تعرفت عليها في هذه الدقيقة، لبّت طيبّة القلب رندا الطلب، هذا القلم لجارتنا الجديدة في التدريب، اعتقدت أنها ستعيده إليها، فرندا مشهورة ولو كانت عفيفة تعرفت عليها للوهلة الأولى بحبها لتجميع الأقلام.

قامت بتصرف يحدث للمرة الأولى أمام كل الحضور، القلم لي! قالت عفيفة، أجابتها بتلقائية رندا، كان ضمن أغراضي، فقلدت الحركة من أول وجديد.

أصرت عفيفة على القلم، عن خجل قالت رندا. لك! بعد بضع دقائق، مشهد مشابه، خجلت رندا من المواقف المتتالية وحملت أغراضها وتركت التدريب الذي كان من المفترض تدريب على نموّ الشخصية لا مسرح تفاعلي، تداولت القصة مع أحد المدربين، باعتبارها تأثرت من كونها تحولت إلى مسخرة، دون أن تفعل ما يدعو إلى هذا، فاكتشفت: هذا هو المسرح التفاعلي!

استخدام المسرح التفاعلي للإيهام دون علم الشخص مخالف للقانون، يعد وفق سياق الإيحاء والإيهام، وإذا تكثّف هذا الإيهام قد يؤدي إلى جريمة دنيئة، أي تسبب بأذى، وأقصى الأذى الموت، أو أي شيء دنيء مثل خسارة أموال، حتى افتعال أوهام لدى الأشخاص التي قد تؤدي إلى أمراض ما، وهي أيضا جريمة يعاقب عليها كل المشاركين في المسرح التفاعلي، الذي وإن حدث بدون علم الشخص المستهدف، الفئة المستهدفة: هذا ما تعلنه النظرة القانونية لطلب القلم الذي انقلب إلى مسرحية على فرد. هكذا تصرفات على قدر إساءتها إلى فكرة المسرح التفاعلي التي تهدف إلى التفاعل الإيجابي، وفق قضايا إيجابية مثل: مواطنة، وقضايا إنسانية إلا أنها تفتح النقاش على الجانب التقني، النفسي، الاجتماعي، والإنساني.

انتشار هذه الظاهرة في بعض الجمعيات، ضمن سياق الـ "فوكس غروب" focus group ، بأن يتم الاتفاق بين المشتركين في دورات تدريبية على أساس أن هذه دورات تدريبية، ولكن بسبب الاتفاق على فرضية معينة، تتحول إلى نوع من مسرح تفاعلي على شخص تؤدي إن مرت الواقعة على الشخص رويداً رويداً، وإن تكررت إلى مرض اسمه cognitive distortion وفق أحد المتخصصين النفسيين في العلاج النفسي، وهذا المرض يدفع من الشخص، على قدر ما مورس المسرح التفاعلي عليه دون علمه، إلى عدم قدرته بعد ذلك على التمييز بين الحقيقة والخيال، الواقع والكذب، وممكن أن يؤدي إلى انسلاخ اجتماعي شيئاً فشيئاً بدل الاندماج الاجتماعي.

ففي حالة الفرق بالعمر بين الأهل والأولاد الذي قد يؤثر هذا الفارق على اندماجهم الاجتماعي وفق البروفسورة في العلم التربوي سهيلة سلوّم، باعتبار أن الأهل يريدون فرض السلطة على الأولاد، والأولاد يريدون الاستقلالية، فيؤثر فارق العمر عليهم، فيخلق ردات فعل لديهم بتعاملهم مع باقي الأشخاص، أما ضمن أفراد الأسرة غيرة وميل تدميري، وممكن أن تشكل عائقتاً في التواصل إذ لا تواصل إيجابي تخرج المشاكل إلى خارج أسوار المنزل، ماذا لو وقع الإيهام والمسرح التفاعلي على شخص أصلا لديه مثل هذه الحالة، ويتم الاتصال بالأهل مثلاً؟

يجيب الطب النفسي على الإشكالية، مؤكداً أن الشخص في بيئة كهذه لديه ميل أن تحدث لديه عوارض عدم القدرة على التمييز بين الواقع والخيال، إن مورست عليه هذه المسرحية دون علمه، باعتبار أنه لديه ضعف في التواصل أصلاً، فيكون كضحية، والجريمة هنا اللعب على ضعفه، قد يعود إلى منزله؛ لتكون فجوة أكبر بالتواصل مع أهله، وإن تواصل الممثلون مع الأهل: فهي مذبحة!

مؤسسة جمعية كاتارسيس زينة دكاش، وهي تحمل شهادات في علم النفس، تعتمد على دراستها وتخصصها لتقول في المعالجة النفسية عبر الدراما، فهي لا تقوم بذلك كهواية أو تسلية في حياة وأعصاب الأشخاص، فهي تؤمن أن أي تدخل نفسي عبر المسرح أو غيره يجب أن يكون بموافقة وعلم الشخص، وإذا كان دون السن بموافقة أهله، لا يمكنها الإجابة حول المسرح التفاعلي، باعتبار أن ما تقوم به إنما هو علاج بالدراما، وهو شيء مختلف جداً.

وحول الإيهام واعتماد بعض جمعيات المجتمع المدني للمسرح التفاعلي دون علم الأشخاص أحياناً واتفاقهم على القيام بمسرحية على فرد من الجمعية تعلق بالقول إنها لا تعرف شيئاً عن هذا الموضوع.

يخلط البعض بين طرائق التعليم مع المسرح التفاعلي، علماً أن طرائق التعليم تعتمد على التفاعل، وهي لا تشبه التفاعل في المسرح التفاعلي، الذي يعتمد على محور وموضوع حوله تدور المسرحية، مثل المواطنة مثلاً، وهو مشروع كانت قد بدأت به جمعية "لبن".

البسيكودراما لا يقوم بها شخص درس مسرح، أو يتقن الكتابة الإبداعية يجب أن يكون شخصاً خاض اختصاص البسيكودراما وليس فقط المسرح.

ليس أي شخص يدير البسيكودراما فهذا ليس مسرحاً ترفيهياً، هذا طب نفسي توجد قواعد له؛ إذ لا يمكن الإتيان بممثل للتمثيل على الناس.

ماذا لو شارك الجمهور في المسرح؟ هذا هو المسرح التفاعلي، محمد عويدات، مدرب على التطور الذاتي وعلم النفس، يقول إن المسرح التفاعلي يعني أن يشارك الجمهور بالمسرحية مفسراً سبب تصرفات البعض في المجتمع المدني بأنهم يهدفون إلى خلق "موجات"، وعلى قدر خلق هذه الموجات بالقيام بمسرحيات على أشخاص هم اختاروهم يشدّون التمويل، فيكونون إما يحملون قضايا هؤلاء المستهدفين يجلبون بها تمويلاً، أم يهدفون إلى شغب أو مشكل معهم.

محمد يملك شركة لا يعتمد على التمويل؛ لهذا لا يحتاج إلى أن يقوم بتمثيلية على أحد، لافتاً إلى أن من يقوم بهذا إنما يتقصد إثارة مشكلة، وأغلب الأحيان فإن المدربين الذين يقودون هذه الحملات على أشخاص بعنوان مسرح تفاعلي على مجهول ليسوا أطباء نفسيين، وهذه خطورتها.

لهذا السبب، سألت إحدى المدربات في الجمعية التي التقت بها عفيفة ورندا: ما دخل وزارة الصحة في التدريبات؟! دخلها بالتوعية على استخدام تقنيات علم النفس على المجتمع المدني، بهدف إثارة الشغب، مما قد يوجب تدخل فرقة مكافحة الشغب ووزارة الداخلية التي أعطت رخصاً لجمعيات كهذه! مكافحة الشغب أجابت سؤالنا: هؤلاء يجترون المشكل. فتجنبوهم، فهكذا تبدأ الاستفزازات في الشارع لنا، نحن مدربون على من ضربك على خدك الأيمن أدِر له الأيسر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.