المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفقة محمد اومزدي Headshot

سـيكـولـوجية الـبعوض

تم النشر: تم التحديث:

بالأمس فقط كان أقصى ما يمكن أن تفعله بعوضة كمحاولة للهروب والاختفاء من ملاحقة الإنسان، الفرار عالياً باتجاه السقف أو الالتصاق بجدار أبيض ظانّة نفسها غير مرئية، و حتّى إن عاودت إزعاجها - خاصة بالليل - غير مقاومة رغبتها الشديدة في لسع ضحية مغرية لذيذة الطعم تتوفر فيها جميع المواصفات.

ما إن تستشعر شراسة ذلك الإنسان وعزمه القضاء عليها حتّى ستستلم وتعلن الهدنة لبعض الوقت أو تختفي مع نيّة المحاولة في وقت آخر، فتَمتَنِع استحياء منها أكثر منه خوفاً.
وكأن الناس سرعان ما يسترجعون الراحة والسلام مع انتهاء موسم الصيف؛ حيث يختفي أو على الأقل يَقِل البعوض وتختفي معه آثار بثوره وزياراته غير المرحب بها.

أما اليوم فقد أصبح البعوض أكثر ذكاء ومقاومة، تطورت جيناته بطريقة لافتة جداً، تعلّم أساليب مراوغة جديدة وطوّر من مهارات الاختفاء لديه الى حدّ التواري، غريب.. كأنه أخذ دورات في التنمية الذاتية، في قراءة نفسية الإنسان وكيفية التعامل مع انفعالاته، يُحَدِّث معلوماته وبرامجه بطريقة يومية.

صار عدوانياً لا يستسلم البتّة، يحوم ويشاكس ويتوعد بلا هوادة، خاصة إذا ما علمنا أن إناث البعوض فقط تقترب من الإنسان وتتغذى من دمه، أما ذكور البعوض فتتغذى فقط على رحيق الأزهار والورود ومن هنا يمكن أن نفهم أسباب هذه المشاكشة والإزعاج والطنين المتواصل ولسعتها الخاطفة والأكثر إيلاماً على الإطلاق (بالنسبة لي على الأقل)، فخرطومها يحمل ستة سكاكين ومن حسن حظنا أنها لا تستعمل أسنانها 48.

تبث البعوضة مخدرها الموضعي في جسمك حتى يتسنى لها غرز إبرتها وامتصاص ما تيسّر لها باستمتاع وتلذذ، وما أن تنتهي وتقوم من على مائدتك حتى يزول أثر المخدر فتنهض أنت كَمَن بِه مسّ يلعن ويهذي، وأول شيء تقوم به هو التطلع نحو الأعلى في اتجاه السقف بحثاً عن صاحبة الفعلة، لكن هيهات فذلك كان بالأمس، تدور حول نفسك مقلباً نظرك يميناً وشمالاً دون جدوى، تلْقف ما تجده أمامك لتهُشّ به مختلف الأركان فلا تجد شيئاً ويتخيّل لك لوهلة أنها فقط حساسية ما لولا ذلك الانتفاخ الذي تتحسسه والهرش المفرط، وبينما تفتش عنها مصرّاً على عدم التراجع قبل أن ترديها أرضاً انتقاماً لهيبتك ووضعك الاعتباري مقارنة بها ككائن صغير كاد يكون غير مرئي، تفترش هي شعرك مستمتعة بالهزّات والقفزات التي تفتعلها كأنها على أرجوحة في مهب نسيم مسائي، على أقل من مهلك، ستنتظرك حتى تيأس وتفرغ من جلبتك تلك وتضع قبلتها أقصد لسعتها بأعلى جبينك أو بين عينيك كحركة خبيثة منها تنهي بها زيارتها لك، وتنقضي معاناتك أخيراً حمداً لله على سلامتك.

وأكثر ما قد يسبب الحسرة أن تكون وسط مجموعة مـن الناس وتلسعك بعوضة دون غيرك، تختارك حصراً دون الآخرين، والأعظم هو أن تجدك وقتها، ومن سوء الصدف في أسوأ حالاتك النفسية، هنا ستتأكد دون أدنى إمعان أن العالم كلّه يقف ضدّك ومتحامل عليك لا شك، فما معنى أن تختارك أنت بالذات دون غيرك؟

لن تقتنع مهما قدّموا لك من شروحات علمية وبرّروا سبب الانتقاء في نوعية المثيرات، والمحفّزات الخاصة كالرائحة ودرجة حرارة الجسم والإفرازات الحمضية التي تختلف من شخص لآخر، وأنها تمتلك ثلاثة قلوب احتارت في كيفية تصريفها، وربّما أرادت إهداءك واحداً و... و... فلن يرضيك هذا الكلام حينها لإحساسك بالغبن والتقليل من شخصك.

وحتّى وقع الحياة الذي كان بالأمس يعود إلى طبيعته فور انقضاء فصل الصيف، أصبح اليوم ذكرى جميلة وحلماً يتمناه العديدون، خاصة أصحاب العينة الخاصة؛ لأن البعوض استأنس بنا حتّى غَدَا يَشحذ إبره في وجوهنا طيلة السنة تقريباً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.