المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رفقة رعد خليل Headshot

قدسية "الخليفة" داخل المؤسسة الإرهابية

تم النشر: تم التحديث:

يقف العالمُ متحيراً أمام سبب اتباع العناصر المنتمية إلى داعش لأوامر وتوجيهاتٍ تكاد لا تُعقل. فكيف يمكن لإنسان أن يقتل الأبرياء ويفجر الأسواق ويغتصب النساء ويحرق الأسرى وهو يشعر أنه يؤدي عملاً يفرضه عليه الدين؟ ولمَ يطيع الأشخاص الذين يُصدرون مثل هذه الأوامر؟

والجواب على هذا السؤال يكمن في ضرورة فهم مبدأ "قدسية الخليفة"، فهزيمة هذا التنظيم، تقضي بوجوب فهم الدافع العميق الذي أدى بالكثير من الشباب إلى هذه الطاعة العمياء رغم وضوح عدم إنسانية ووحشية هذه الأفعال.

لقد استثمر قادة داعش جزئية القدسية المفترضة للخليفة ووظيفته في الإسلام لجذب الكثير من الدواعش والداعشيات وضمان طاعتهم العمياء، وخصوصاً الانغماسيين والانتحاريين. فهؤلاء مقتنعون أنهم لن يدخلوا الجنة بالجهاد بنفسه ووحده فقط ولكن بطاعة الخليفة، فهو سر سعادتهم كما يتصورون، وهو المنقذ لهم من شر الدنيا والسائر بهم نحو خير الآخرة، الحارس للدين، مطبق حكم الله في الأرض!

ولكن في البداية ينبغي فهم فكرة القدسية. فالمقدس: هو الكامن خارج حدود الطبيعة، هو الشيء غير العادي، هو مركز الكون والمسيطر على كل جزئياته، هو صاحب القدرة والقرار. وإسقاط هذه القدسية على الخليفة يجعل منه سلطاناً بلا حدود، وممثلاً للخالق على الأرض. ولعل هذا ما يشرح قول الخليفة العباسي المنصور عن نفسه "أنا سلطان الله في أرضه".

يعتقد المنتمون إلى التنظيم الإرهابي أن قداسة الخليفة لديهم لا تأتي فقط من دوره السياسي والعسكري ضمن المجموعة، بل من دوره الديني في الأساس وبعدها تتجسد الوظائف الأخرى. يُعرّف ابن خلدون الخلافة على أنها "حملُ الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الآخروية والدنيوية الراجعة إليها"، أي أن دور الخليفة ليس دوراً عادياً يخص إدارة الدولة المحلية سياسياً، لأن الخليفة ليس سياسياً فحسب.

ويرى الكاتب هشام الهاشمي في كتابه "عالم داعش"، أن القيادات في داعش لا يسمعون لأحد من حولهم من التنظيمات والفصائل الأخرى، أو إلى العلماء الذين يسعون للإصلاح، وهذا الانغلاق على الأنا وعدم القبول من الآخر، جعلت من أشخاص مثل قائد داعش، البغدادي، يتوهمون أنهم على حق وكل ما سوى أمرهم هو باطل. فكبر وهمه يوماً بعد يوم، لذلك يتخيل أن الحقيقة مرتبطة به وأن منزلته قد ارتفعت ليصبح كل جزء من مدينته مقدساً، وكل مشروع خاص به مخطط مقدس. وكون الداعشي يتبع الخليفة فهو يتبع القداسة ذاتها النائمة فيه كونه جزءاً من الكل، فهو جندي المقدس، والجيش هو جيش المقدس.

وعند نقاش هذه الحقائق يجب عدم إغفال أهمية الدين في تشكيل العقول. يقول الفيلسوف والمؤرخ الروماني المختص بشؤون الأديان مرسيا إلياد "صحيح أن أغلب الأوضاع التي يضطلع بها الإنسان المتدين في المجتمعات البدائية والحضارات القديمة قد تم تجاوزها منذ زمن طويل، ولكنها لم تختفِ دون أن تترك آثارها. لقد أسهمت في صنعنا بما نحن عليه اليوم، إنها تشكل إذن جزءاً من تاريخنا الخاص"، ذلك التاريخ الذي يحمل كل معاني التدين الأسطوري أو الكتابي.

لذلك، نجد كل أفعالنا مهما كانت لا دينية تتجه لا شعورياً نحو الدين، فما بالك لو كان الفاعل متدين ويستخدم الدين للتعبير عن غضبه وهويته ووجوده الخاطئ ضمن هذا العالم. هذا هو الإرهابي الذي يريد الرفع من شأن نفسه إلى حد القداسة عبر قداسة الخليفة داخل المؤسسة الإرهابية.

لقد وجد الكثير من الشباب الفاقدين لأي رمز في حياتهم اليومية، وبعد حياة مهمشة وبشكل مفاجئ، أنفسهم جزءاً من مركزية الكون الذي حققه لهم، كما يعتقدون، الدِّين وكل الشريعة المرتبطة به، بمعنى أن خيال الشاب صوّر له أنه وضع يديه أخيراً على حقيقة العالم الذي سيقع تحت قبضته، بدوره الجهادي وبخليفته. يقول مرسيا "الإنسان المتدين يعتقد دائماً بوجود حقيقة مطلقة: المقدس، الذي يصعد هذا العالم، ولكن يظهر فيه نفسه، ومن هذا الواقع يقدسه ويجعله حقيقياً".

ولنزع فتيل هذه الأزمة وهزيمة تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية، ينبغي التركيز على أن مفهوم الخلافة والخليفة يحمل الكثير من الإشكالات الفقهية والتاريخية إلى يومنا هذا. فقد نبه الشيخ الأزهري علي عبدالرازق، إلى أن لقب "خليفة رسول الله" هو أحد الأخطاء التي تسربت إلى عامة المسلمين، وتخيلوا أن الخلافة مركز ديني ونيابة عن الرسول (ص). وهذا ما استغله السلاطين فروّجوا لهذا الخطأ بين الناس لحماية سلطانهم بالدين، حماية لعروشهم من الخارجين عليهم، حتى أفهموا العامة أن طاعة الأئمة من طاعة الله، وعصيانهم من عصيان الله، حتى دخل مفهوم الخلافة ضمن الدراسات الدينية والإلهيات وخرج من مكانه السياسي، لتنحصر السياسة نفسها في الدين ويتبرمج عقل الفرد نحو زاوية تفسح المجال للقداسة بأن تتجسد بكل قوتها.

طبيعي إذن، بعد هذا التجسيد وهذا التقديس لذات الخليفة الداعشي من قبل مناصريه، أن يُطاع بهذه الكيفية التي رأيناها وأن تتحقق مكانته ووجوده بالقوة وبالفعل، وهذا ليس شيئاً غريباً تاريخياً لكن من الغريب أن نراه في راهننا اليوم.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.