المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Richard Hermer Headshot

هل ستقنع بريطانيا ترامب بالتخلي عن التعذيب أم تتواطأ معه؟

تم النشر: تم التحديث:

أفادت تقارير بأنّ السفير البريطاني في الولايات المتحدة، السير كيم داروك، نصح رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، بشأن إدارة ترامب قائلاً إنّها "منفتحة للتأثيرات الخارجية"، وإنّ المملكة المتحدة "في موضعٍ فريد" للاستفادة من ذلك. أتمنى أن يكون السير كيم صائباً في ذلك. لكن ليس هذا لأننا بذلك، كما لمّحت تيريزا ماي، يمكننا إقناع الرئيس الأميركي المنتخب بفوائد التجارة الحرة مع المملكة المتحدة، بل لأننا قد نستطيع، إذا كنّا محظوظين كفايةً، استخدام تأثيرنا الخارجي لإقناعه بأن تهديداته بالعودة إلى التعذيب المُمَنهج، وإساءة معاملة المتهمين بصورة غير إنسانية، واستخدام التعذيب كأداة لمحاربة الإرهاب ستكون كارثة محقّقة على رؤوسنا جميعاً.

من على منصة حملته الانتخابية، ألقى ترامب العديد من التصريحات المرعبة، لكن لم يكن بينها أكثر إخافةً من الإعلان مراراً أنّه سيعيد التعذيب ليصبح سياسة الولايات المتحدة الرسمية مرة أخرى.

وفي فبراير/شباط عام 2016، أثناء مناظرة مُتلفَزة للحزب الجمهوري، قال ترامب للحاضرين إنّه "سيطلق جحيماً أسوأ بمراحل من الإيهام بالغرق (التعذيب بصب الماء على الرأس بعد تغطيته بقطعة من القماش، فيشعر السجين كما لو كان يغرق)". وحتى لا يشك أحدٌ في جديّة موقفه، عبَّر ترامب أمام حشدٍ صاخبٍ من مؤيديه في ولاية أوهايو، في يونيو/حزيران عام 2016 بعدما أصبح مرشّحاً رسمياً للرئاسة، عن رأيه في التعذيب بإلايهام بالغرق، قائلاً: "يعجبني كثيراً، لكنّي لا أظنّه قاسياً بما يكفي".

وبفضل العمل الدؤوب للمدافعين عن حقوق الإنسان، والتحقيقات التي أُجريت حول نشاطات لجنة الاستخبارات بوزارة الخارجية الأميركية وغيرها، لسنا مضطرين لتخمين طبيعة "الجحيم الأسوأ" من الإيهام بالغرق.

ففي السنوات التي تلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، أخذت سياسة الولايات المتحدة منعطفاً تجاه أكثر أيامها ظُلمة. أدارت الولايات المتحدة شبكةً من السجون السرية، ونظاماً لتسليم الأفراد يقوم على اختطافهم، ونقلهم خارج الولايات المتحدة إلى مناطق بعيدة؛ حيث يتعرّضون لمستويات من التعذيب وسوء المعاملة تتخطى مقاييس طغاة العصور الوسطى. حاربت لجنة الاستخبارات التابعة لمجلس الشيوخ الأميركي ضد وكالة الاستخبارات المركزية لإصدارِ نسخةٍ منقّحةٍ من المُلخَّص التنفيذي لتقريرها عن استخدام التعذيب في ظل إدارة بوش.

هذا التقرير ينبغي على المواطنين جميعاً، وليس الرئيس الجديد فقط، قراءته، ويوثّق التقرير أمثلةً لوسائل استخدمها العملاء الأميركيون، ومنها تهديد المحتجزين باستخدام مثاقيب كهربائية، ووضعهم في صناديق تشبه النعوش لفترات طويلة قد تصل إلى 11 يوماً، والضرب الجسدي الممنهج الذي يؤدي إلى إصابات تهدّد الحياة، والانتهاك الجنسي، وإقامة جلسات إعدام وهمية. وحتى لا تظن أن الإيهام بالغرق ليس نوعاً خطيراً من التعذيب، توضّح التقارير بالتفصيل كيف أوشك العديد من المحتجزين على الموت بعد التعرُّض له.

وجرى كل هذا في ضوء تلقّي نصيحة قانونية تفيد بأن أي تصرُّفٍ لا يسبِّب "عجزاً في عضوٍ رئيسي من أعضاء الجسد" بشكل مباشر، لا يُعد تعذيباً.

هل نريد المخاطرة باعتبار تهديد ترامب بالعودة إلى التعذيب مجرّد خطابٍ لحملةٍ انتخابية سيتخلص منه بمجرّد توليه السلطة؟ تأتي الإجابة على هذا السؤال من فم التاريخ الحديث: لا قطعاً. إذا كان الأمر قد حدث مسبقاً تحت رئاسة بوش، وفي ظلّ حصانة كاملة، فإن وقوعه مجدداً تحت رئاسة ترامب يمثل خطراً حقيقياً وملموسًا.

وحتى الآن، أضفى فشل الملاحقة القانونية للمسؤولين عن تلك الأفعال الإجرامية نوعاً من الشرعية للاستمرار في إثارة الأسئلة حول التعذيب في الحوار السياسي الأميركي، ويرفع إنذارات بخطر العودة إلى الوراء.

ومن هنا، لا يجب أن تترك الحكومة البريطانية الرد على هذه القضية للدبلوماسية الهادئة، بل يجب أن تصرِّح رئيسة الوزراء ووزارة الخارجية البريطانية علناً بأن القيّم المشتركة التي تجمع بين الدولتين لا يمكنها السماح باستعادة عصر السجون السرية، والاحتجاز غير القانوني، وغرف التعذيب.
وكذلك لا بد ألا يترك هذا مجالاً لمحاولات التشويش أو المراوغة، ولا الاختباء وراء الجدال عما يُعد أو لا يُعد تعذيباً.

ما يقترحه ترامب كريهٌ للغاية في وجه السلوك الإنساني بأكمله، وأقل ما يقتضيه هو بيان واضح من زعمائنا ضده.

يجب تأسيس هذا الرفض منذ الآن؛ لأن اتباع نهج "لننتظر ونرَ" الذي يريد اختبار رد فعل الإدارة الجديدة على أول عمل إرهابي ستكون غير فعّالة.

توجد ثلاثة أسبابٍ على الأقل لتتطرق رئيسة الوزراء إلى الموضوع بحزم: أولاً، التعذيب فعل مشين أخلاقياً وحسب. لا مجال لحوارٍ حضاريٍ حول ما إذا كان وضع شخصٍ في صندوق كالنعش لمدة 11 يوماً فعلاً يمكن تبريره. لا يدمّر التعذيب ضحيته فقط، بل يحقّر مرتكبه (وهو غالباً ما يكون رجلاً) وكذلك المجتمع الذي يمثّله. ونحن نبحث عن "القيّم البريطانية" لنصنع اسماً لأنفسنا بين العالم، يمكننا أن نفخر بأن التعذيب أصبح غير قانونيٍ في المملكة المتحدة قبل بقية أوروبا بفترةٍ طويلة. وثانياً، ممارسة التعذيب تؤدي إلى نتائجٍ عكسية. لا أعني الواقع البسيط أن التعذيب يفشل دائماً في استخراج الحقيقة من الخاضع له (تشير أدلة برنامج وكالة الاستخبارات المركزية إلى أنّ التعذيب لا يخلُص إلى معلوماتٍ يمكن الاعتماد عليها)، ولا أنّه يعطي الضوء الأخضر لحكومات أخرى بأن تلجأ لإساءة معاملة محتَجَزيها، ولكن الأهم من ذلك هو أن التعذيب يدشِّن موجةً واسعةً من العدائية تجاه من يمارسه.

والأمر الحاسم هنا هو أن ذلك الشعور العدائي لا يقتصر على قاطني دول غرب أوروبا الديمقراطية، بل يتأصل في آلافٍ غير معدودة من مواطني الدول النامية الذين روّعتهم المعاملة الوحشية التي تعرَّض لها شبابٌ مسلمون على يد أقوى دولة في العالم.

وبينما يخشى الكثيرون أن يدفع انتخاب دونالد ترامب الكثيرين إلى صفوف المتطرفين، ستبعث عودة التعذيب برسالة خاطئة كلياً إلى نفس الجهات التي نحاول إقناعها بأهمية احترام حقوق الإنسان.

وإذا اتُخِذَ قرارٌ خاطئ، سيلقي بظلاله علينا جميعاً، وليس فقط جمهور الناخبين الأميركيين.

وثالثاً، يجب علينا اتّخاذ موقف واضح ضد التعذيب من أجل مصلحة المملكة المتحدة، وهذا لأن تواطؤها الخاص في نظام التعذيب الذي أداره بوش لم يكن بعيداً عن الخطأ.

وتشير أدلة قوية إلى أنّ جهاز الاستخبارات البريطاني قد تعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في بعض أيامها الأشد ظلمة في ظل نظام التعذيب. وبينما لا تتوافر الكثير من الأدلة حول إجراء مسؤولين بريطانيين لعمليات تعذيب قصوى بأنفسهم، يتّضح أنهم تعدوا الحدود الأخلاقية بمساعدة الولايات المتحدة، وخاصةً في تسهيل عمليات تسليم الأفراد إلى غرف التعذيب، واستجواب المتهمّين في ظروف كانوا يعلمون أنهّم يتعرضون للتعذيب فيها على يد آخرين، سواء كان ذلك في "السجن المظلم" سيئ السمعة في قاعدة باغرام بأفغانستان، أو خليج غوانتانامو، أو غيرهما من مواقع الاحتجاز غير القانونية.

من الضروري أن تصدر رئيسة الوزراء البريطانية بياناً لا يترك مجالاً للشك أمام أجهزة الاستخبارات البريطانية أنّه بغضّ النظر عن قرار ترامب، لن تتواطأ بلادها مجدداً في عمليات التعذيب.

يظهر تناقض الولايات المتحدة الأكبر في كونها دولة كانت مسؤولة عن قطع شوط كبير في مسيرة حقوق الإنسان الدولية (بدليل إنجازات إلينور روزفلت)، وفي مقابل ذلك قدرتها على إجراء انتخابات أعلى منصبٍ في البلاد ينجح فيها مرشّح يتفاخر بنيته لإعادة تقديم سياسة التعذيب.
يحتّم علينا واجبنا كأصدقاء وحلفاء للولايات المتحدة أن نحذرها من سلوك طريق لا يجب اتباعه مجدداً.

- هذا الموضوع مترجم عن النسخة البريطانية لهافينغتون بوست. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.