المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ربيع رحومة Headshot

في عَلمانية اللحية والحجاب

تم النشر: تم التحديث:

يقول الأستاذ عبد الوهاب المسيري، رحمه الله: "قد يُصنَّف بلد ما باعتباره إسلامياً؛ لأن دستور هذا البلد هو الشريعة الإسلامية مع أن معدلات العلمنة فيه قد تكون أعلى من بلد دستوره ليس بالضرورة إسلامياً".

ونقول قياساً قد يصنّف مواطن ما باعتباره إسلامياً أو قد يزعم ذلك، ولكن معظم تدينه قولاً وحالاً وفعلاً ليس بالضرورة إسلامياً، بل قد يكون عَلمانيّاً.

يتأسس هذا الطرح، ابتداءً، على تحكيم مفهوم "إسلامي"، فالصيغة مجردةً موغلة في الإطلاق بحيث لا عاصم لها من الانزياح الدلالي والرخاوة الاصطلاحية، ولذا، ولمقتضيات منهجية نحدّ "الإسلامي" بأنه كل ما انتسب إلى الإسلام من عاقل وغير عاقل.

ونختار العاقل مقصوداً للطرح، ونختار من العاقل فئة الشباب موضوعاً للبحث باعتبار الشباب فئة تكون فيها ملامح الانتماء والانتساب عفوياً أو تنظيمياً أبين وأوضح من غيرها.

ولعل أبين وأوضح مؤشر على الانتماء والانتساب هنا هو اللحية والحجاب، وهكذا نتوصل، على الأقل وبإيجاز، إلى تبيّن صورة الشاب الإسلامي.

ولكننا نعترف في هذا المستوى بصعوبة البحث في هذه الصورة أو في جزء من أجزائها، وذلك لمرونتها وزئبقيتها المستمرة، ومهما يكن من أمر، فإننا لا نعدم إمكان رصد التقلّبات داخل هذه الصورة أو إثبات شيء من مكوناتها.

إن الوقوف قريباً والبحث عميقاً في شخصية الشاب الإسلامي المعاصر وخطابه يثيران في النفس السؤالَ عن مدى تعبير لحية الشاب وحجاب الشابة عن إسلاميّة كلّ منهما.

والإجابة عن هذا السؤال تستدعي تحديد زوايا نظر نافذة ومواضيع تحقيق دالة، فليس هينّاً إثبات دعوى "عَلمانية اللحية والحجاب" بواسطة نماذج غير دالة.

وحتى نكون أقرب إلى التوفيق، فإننا نقارب المسألة من حيث نظام علاقات الشاب/ة الإسلامي/ة، أي من حيث علاقاته بنفسه وعلاقاته بالآخر، ثم اختبار مستوى حضور المكوّن العلماني في هذه العلاقات.

أما عن علاقته بنفسه فواضح جداً اختلال نظام تعبّد الشاب الإسلامي، سواء من حيث التزامه بالواجبات أو إقباله على النوافل، فلا يسلّم الواقع بسهولة بأن كلّ شاب إسلامي محافظ بالضرورة على الصلوات أو مقيم لها أصلاً.

وهنا يبرز المكوّن العلماني في تململ الشاب الإسلامي من الالتزام بالأوقات والأماكن التي تقتضيها إقامة الصلاة مثلاً، وميله نوعاً ما إلى التحرّر من القيد الغيبي الذي يقيّد حركته في الوجود، وتالياً رؤيته العالمَ من حوله وإقرار نمط التعاطي معه.

وليس أدلّ على هذا، على مستوى علاقة الشاب الإسلامي بنفسه، من صورة التحاء الشاب وتحجّب الشابة، حيث تحرّر كلاهما من الصور النمطية للحية والحجاب إلى درجة استحداث صور تصَّعَّد في سماء التوفيق والمواءمة بين الإسلام والعصر.

فقد أدخل الشاب على لحيته تعبيرات مقتبسة من لِحى مشاهير ذوي نسبة ثقافية عَلمانية، وأدخلت الشابة على حجابها ضرباً مستحدثاً يعقد الخمار في هيئة تَعْدِل به عن أصل ما انعقد الإجماع حوله ويبدع تفصيلات جديدة للجلابيب والسراويل تستدعي أحدث ما يجدّ في عالم الأزياء العَلماني.

وأما عن علاقاته بغيره، فقد طغى تجاوز الأنماط التقليدية على منظومة علاقات الشاب الإسلامي، خاصة إذا استحضرنا الأنظمة العلائقية التي أنتجتها المجتمعات الإسلامية التي تأخذ بعين الاعتبار معطيي السن والجنس في نسج العلاقات الاجتماعية.

ولقد بدا واضحاً عدم اعتداد الشاب الإسلامي بهذه الضوابط، حتى إنه لا فرق عنده في التعامل بين كبير وصغير أو بين رجل وامرأة.
والأكثر دلالة هو نظام العلاقات الراهن بين الشباب والشابات الإسلاميين القائم على اختلاط الجنسين اختلاطاً يكاد يكون مطلقاً. وهذا ما ولّد ثقافة جديدة في التعامل بين الجنسين، وهي ثقافة التحرّر حالاً وقولاً وفعلاً.

فلم تعد اللحية ولا الحجاب باعتبارهما سيمياء تعفف ومحافظة يمنعان نشوء علاقات بين الجنسين يغلب عليها طابع التحرر وتجاوز الأنماط، وهذا ما أنتج معجماً لغوياً دالاً يصنفه أصحابه في الحريات الشخصية.

إن المتحكم، إذن، في نظام علاقات الشاب الإسلامي هو ميوله إلى الحلول في منطقة المركز من الكون معترفاً بمركزيّة الإنسان تدبيراً للكون وتحكماً فيه،
وليس انتصاره للثورات الشعبية ثم عزوفه عن متابعة مقتضياتها انتظاماً وانتخاباً ومشاركةً موقفاً سياسيّاً مجرداً بقدر ما هو تعبيرة أنطولوجيّة عن سعيه الدائم في التحرّر إلى منطقة المركز، وفي هذا السعي يمكن المكوّن العلماني.

ولا نزعم بهذا الطرح أننا نقدّم فيه فصل الخطاب، بل المقصد ماثل في السعي إلى البحث عن أرضية يتحاور فيها الشباب بأفكارهم ورؤاهم بدل مصادرة حقهم في التفكير والتفكير عنهم، وما أنتج هذا النهج من أفكار غريبة عن الشباب ثم شبابٍ غريب عن زمانه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.