المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

رزق عبد المنعم  Headshot

الحُمَّى.. دروس وعِبَر وخواطر

تم النشر: تم التحديث:

كثيرة هي نعم الله علينا، لكننا لا نراها، ونغرق فيما حولنا، ونتجاهل نعماً تحت أيدينا لو قُدر لأحدنا -لا قدر الله- فقدها لشعر كم هي عظيمة تلك النعمة التي سُلبت منه.

أبدأ بهذه المقدمة لأنتقل إلى شأن خاص بي.. فمنذ أيام زارَني ضيف وطال مقامَه، وكما نقول: "يا بخت من زار وخفّف"، لكنه أبى إلا المكوث، ربما ليعلمني بعضَ ما أجهل، وليعرفني على كثير من النعم التي مَنَّ الله بها عليَّ، لكن مع شواغل الحياة ومتطلبات الأهل والأولاد ربما لم ألتفِت إليها، ولم أقدّم شُكرها كما ينبغي.. وكما يقول الله سبحانه وتعالى: "ولئن شكرتم لأزيدَنَّكم".

لن أطيل عليك عزيزي القارئ، لكنها دروس وعِبر تفرض نفسها، وما حصلت عليه أرجو مشاركته؛ لتعمَّ الفائدة.. "وذكِّر فإنَّ الذكرى تنفع المؤمنين".

في سكون الليل، وبعد قضاء يوم حافل بالكثير من الأعمال وقضاء المصالح.. عدتُ متأخراً مساء ذلك اليوم، كلي سعادة وأمل، كان الجو شديد البرودة، لم أقوَ حتى على فَرْد أصابعي.. وما إن دلفت داخل البيت، وسلَّمت على زوجتي التي لم تعتَد تأخيري خارج البيت، ومع أني اتصلت عليها مراراً وتكراراً؛ لأطمئنها، لكنها ظلت قلقة إلى أن وصلت.

تناولنا طعاماً خفيفاً، ولم أكن قد صلَّيتُ العشاء فتوضأت وصليت.. وأذكر أنني حتى من كثرة التعب لم أُصلّ النافلةَ على أمل أن أقوم ربما لصلاتها بجزء من الليل.

وبينما راحت عيني في النوم، كما يقال؛ إذ بها تهمس في أذني: قد أتيتُ؟ استعدَّ أيُّها المبتلى لما ستلاقيه.. فهل ستكون شاكراً أم كفوراً؟ فحدثت نفسي وقلت: بل سأكون شاكراً لله على كل حال.. ولم أدرك أن ذلك الصوت هو صوت الحُمَّى، إلا عندما لفَحَني لهيبُها، وظهر ذلك بداية في احمرار أذني، فأصبحتا كقطعتَي جمر قد التهب.. ثم توالت بعد ذلك الآلام، فشعرت أن عظامي تُدَك دكاً، وأن أضلاعي أسياخ حديد ملتهبة، ورأسي وما أدراك ما الرأس!.. صداع كأنه زلزال، فلم يستقر على الوسادة، وبدأت أدخل في نوبة من الهلاوس والكلمات غير المفهومة، إلى أن استيقظت زوجتي وبدأت تقوم ببعض العلاجات الأولية لإطفاء ذلك الجمر الملتهب.. وتتساءل متعجبة: ألَم تكن بخير منذ ساعات قليلة؟! فقلت وكلي ضعف: الحمد لله، وابتسمت ابتسامة يغلفها الألم والوجع من شدة ما أجد وأعاني.. وهتفت بداخل أعماقي بدعاء أيوب النبي: "ربِّ إني مسَّني الضرُّ وأنت أرحم الراحمين".

قضيت -كما يقال في الظاهر- أسوأ أيام من الممكن أن أقضيها، وقد يقول البعض: لِمَ هذه المبالغة؟ فأقول: ربما لاختلاف الطباع وبِنى الجسم، وغيرها من الأمور، لكنها كانت فرصة لجمع الصغار من حولي، ومع أن إحساسهم بالشفقة عليَّ، وشعورهم واستغرابهم من كوني طريح الفراش لا أقوى على الحركة كان يقتلني، لكن كانت هناك بعض الأمور التي كانت تخفف عني ما أجد وأعاني، فأذكر أنه حينما استيقظ ابني "عبد الله" وهو أكبر أبنائي سناً، ووجد أنني أعمل كمادات الماء البارد، وكنت منذ أيام قليلة أصنع له تلك الكمادات بعدما أصابته كدمة شديدة في عينه لكنها كانت بماء دافئ، ولطفَ الله بنا وزالت آثار معظمها، قال: "دلوقتي بقى يا بابا أعمل لك زي ما كنت بتعمل معاي.. هجيب ميَّه باردة وأشتغل أنا بقى.. ألف سلامة عليك.. ستقوم إن شاء الله بالسلامة"، أما أحمد، وهو الأوسط، الذي ما قال شيئاً إلا وحدث فقال مبتسماً، وكله طيبة وبراءة لا أجدها في كثير من الأطفال: "قوم يا بابا انت قوي.. وهتخف على طول قول انت بس كده يا رب اشفيني".. وهنا تدخَّل صغيري وقرة عيني محمد، الذي سمَّته جدته -رحمها الله- قبل أن تغادر الحياة على اسم خالي: "يا جماعة.. ربنا هو اللي بيعيّي الناس، وهو اللي بيشفيهم.. عشان يشُفنا هنستحمل ولا لأ.. مش كده ولا إيه يا بابا؟.. سَحْ.. سَحْ"، فقلت: "سح يا حمادة".

الخلاصة: لقد خرجتُ من هذه الوعكة بدروس وعِبَر لا حصر لها، منها أن نعم الله كثيرة، لكنها قد تخفى علينا، فتحريك أصابع يديك نعمة لا تدركها؛ نظراً لأنك اعتدت عليها، لكن حينما تُفقَد -لا قدَّر الله- تعاني مر المعاناة.. وكذلك حركة الرقبة وغيرها، كما حدث لي في صعوبة تحريك رقبتي، وحرارة الجسم الطبيعية نعمة عظيمة، علمتُ بذلك حينما زادت حرارة جسمي عن الحد، ووجدت أني أكاد أحترق.. التنفس دون صعوبة لذلك الهواء.. التلذذ بالأكل.. فتح الشهية.. النوم الهادئ.. والكثير الكثير لا يتسع المقال لذكرها، وكما يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "من أصبح آمِناً في سربه، معافى في جسده، عنده طعام يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا".

وفي النهاية.. عودوا مرضاكم فإن ذلك يُخفف عنهم، فلا تجمعوا عليهم مرّ الألم والوجع، والتجاهل والقطيعة من جانبكم، وفي الحديث: "يا ابن آدم مرضت فلم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك؟ وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده".. وتذكروا دائماً أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.

اللهم اشفِ كل مبتلى ومريض.. وخفِّف عن كل مَن يعاني ألماً أو حزناً.. والحمد للهِ رب العالمين.. ولعل هذا ما أنهي به عام 2016 وأستقبل به عام 2017.. كل عام وأنتم بخير.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.