المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

 ريهام السيد علي محمد Headshot

دولة المواطن السوبر

تم النشر: تم التحديث:

"قتلوه كما لو كان مصرياً" تلك الجملة المحزنة التي قالتها أم ريجيني قبل أشهر، وهي حقيقة لا تعبر عن الواقع المصري، فالمصريون ليسوا سواء، فبعضهم قابل للقتل، وهم المواطنون "العاديون ،"والبعض الآخر لا، وهم المواطنون" السوبر".

تمتلك كل دولة أدوات ومعايير خاصة بها لتصنيف المواطن لديها كمواطن عادي، وآخر متميز أو "سوبر"، كما أن كلمتي سوبر وعادي قد تختلفان في المعنى والمدلول من أمة لأخرى، فالسوبر لدينا قد يكون أقل من العادي لدى أميركا مثلاً، والعكس صحيح، كما قد يحظى السوبر المصري بحقوق تفوق تلك التي يحصل عليها نظيره الأميركي، والعكس صحيح أيضاً؛ لذا لا بد من معيار موحد نحكم به على كل مواطن ونصنفه بناء عليه إلى عادي أو سوبر.

إذا اتخذنا من منهج سيدنا إبراهيم في الاستدلال على ربه معياراً لنحكم به على المواطن السوبر -كمثال للتوضيح فقط مع الفارق طبعاً- فسنُعرف ذلك المواطن بأنه الأكثر امتلاكاً للمواهب والتي ساهم بها في إحداث نقلة حضارية لوطنه، أو هو الأقدر على استشراف المستقبل ورسم خارطة للطريق تسير عليها أجيال من بعده.

وقياساً سيكون الموطن العادي هو ذلك المواطن الذي لا دور له في صنع مستقبل وطنه وفي أفضل أحواله عليه أن يسير متتبعاً خطوات المواطن السوبر، ولا يحيد عنها، وإلا قد يشكل عبئاً على الدولة.

وإذا طبقنا ذلك المعيار على الدول الغربية، فسنجد أن من يملك أدوات تمييز المواطن السوبر عن غيره هم شعوب تلك الدول، فهي من ترفع بعض الفئات في مراتب "السوبر "تطبيقاً لمنهج سيدنا إبراهيم، فمثلاً الشرائح الأعلى دخلاً وتقديراً لدى الأميركيين هم الأطباء والمحامون ومطورو البرامج الإلكترونية، وفي اليابان قامت مجموعة من كبار السن بالتطوع لتنظيف آثار الإشعاع المتسرب من مفاعل فوكوشيما النووي بعد تعرضه لزلزال وموجات تسونامي، وذلك بدلاً من الشباب؛ لأنهم رأوا أن الشباب هم مستقبل الأمة اليابانية "السوبر"، وفي أوروبا معظم الوزراء نجدهم في سن الشباب، وكانت النتيجة أن هؤلاء الوزراء الشباب لم يخذلوا حكوماتهم وشعوبهم، بل أثبتوا أنهم أهل لها، ويوماً بعد يوم يحتل الشباب مزيداً من الوظائف القيادية، فالسوبر لدى تلك الأمم يملأون السمع والبصر، و"العادي" دوماً عليهم الاتباع.

ليس معنى أن تكون "سوبر" لدى تلك الأمم أن تتهرب من الضرائب مثلاً، أو تنال ما لم ينله الآخرون، أو أن تصبح فوق القانون أو تخالفه وقتما تشاء، فمن الممكن لديهم إدانة وزيرة بتهمة فساد إذا ملأت خزان الوقود الخاص بسيارتها بالكارت الحكومي حتى إذا كان بمبلغ لا يتعدى 60 دولاراً، كما حدث في السويد وأجبرت وزيرة على الاستقالة.

أما إذا اتخذنا من منهج سيدنا إبراهيم معياراً للحكم على المواطن في مصر ومعظم الدول العربية على أنه سوبر، فربما سنحتار أكثر من حيرة سيدنا إبراهيم؛ لأن من يملك أدوات ومقومات لتصنيف المواطنين إلى عادي وسوبر ليس الشعوب بالطبع، كما أن نفس المواطن لدينا قد يندرج تارة تحت فئة المواطن العادي، وقد يندرج تحت فئة السوبر، حسب الأحوال، لذلك سيكون علينا تعريف المواطن العادي أولاً ومن ثم قد نستطيع تعريف المواطنين السوبر، والمواطن القابل للتحول من سوبر إلى عادي، والعكس.

من السهل تعريف المواطن العادي استشهاداً بحادثة ضرب حسام حسن (المدير الفني للنادي المصري) لرقيب شرطة، والذي حبس على أثرها في التو واللحظة، وبعدها دافع حسام عن نفسه قائلاً إنه اعتقد أن ذلك الرقيب هو مواطن عادي! وأيضاً بعد واقعة ضرب وسحل لأطباء على يد أمناء شرطة رفض أولئك الأطباء تزوير تقرير طبي يفيد بإصابتهم.

نستطيع أن نستنتج إذا تعريفاً للمواطن العادي ألا وهو ذلك المواطن القابل للضرب في أي وقت وأي مكان، حتى لو محل عمله، فبإمكان شخص" يعتبر من النخب المجتمعية" أن يضرب شخصاً آخر لمجرد أنه يمارس عمله ويصوره بعد أن تعادل فريقه مع الفريق الآخر؛ لأنه حسب رأيه" شخص عادي"، وبإمكان أمناء الشرطة ضرب الأطباء في المستشفيات وقتما أرادوا دون إلقاء القبض عليهم إلا بعد مظاهرات عارمة قام بها الأطباء أمام نقابتهم، وهددوا فيها بالإضراب العام.

كما يتميز المواطن العادي لدينا بأنه من يدفع الضرائب كاملة، وهو المستهدف وحده من إعلانات التبرع لإنشاء المستشفيات وإنقاذ الاقتصاد، وكذلك الزيادة في أسعار السلع وفواتير الكهرباء، لكن وفقاً للتوصيف الطبيعي للقب مواطن عادي لا يمكننا أن نصف الأطباء المضروبين بأنهم في الصفوف الخلفية للمجتمع، أو أنهم عبء على الدولة.

بالطبع إذا طبقنا المعايير العالمية لتصنيف المواطنين فلن نجد لا العلماء ولا النوابغ لدينا في مقدمة الصفوف، ربما لأنهم في الأساس غير موجودين، فهم السلعة الوحيدة التي بإمكاننا تصديرها للغرب أولاً بأول، وحتى إذا وجدوا فغالباً ما سيتم تكليفهم بأعمال إدارية لمحاصرتهم ودفن مواهبهم؛ ليتساووا مع غيرهم من عديمي الموهبة والمنفعة، كذلك لن نجد بالطبع في مقدمة الصفوف أياً من الشباب، ففي بلاد تنتشر فيها موضة تعيين المسؤولين ممن هم فوق سن الخمسين لن تجد شاباً في العشرينات أو الثلاثينات رئيساً لمصلحة حكومية أو مدير قسم، فضلاً عن أن يكون وزيراً.

أما إذا حاولنا معرفة أسباب حصول البعض لدينا على شرف التلقيب بالمواطن السوبر، فلن نجد أن باستطاعته تحويل التراب إلى ذهب أو السير على الماء مثلاً أو إطلاق صرخة مدوية يقضي بها على أعدائنا، ولا حتى قادر على صنع مستقبل أفضل لبلدنا، بل ستكون كل موهبته هو امتلاك المال أو السلطة أو امتلاكهما معاً، فكل من أصحاب السلطة والثروة لديهم باب مسحور لا يراه سواهم، ومن خلاله فقط يستطيعون النفاذ إلى بعضهم البعض، وبالطبع أصحاب السلطة والثروة هم من يملكون حصراً حق تصنيف باقي المواطنين وتلقيبهم بذلك اللقب "عادي".

ومعنى أن تكون "سوبر" في مصر أن يصدر ربما ضدك حكم بالسجن، ولا يتم القبض عليك، كما حدث مع إعلامي شهير في قضية سب وقذف لرئيس أحد الأحزاب السياسية، أو أن يتم بيع الغاز الطبيعي المدعم من أموال الشعب لمصنعك بأسعار مخفضة.

أما هؤلاء المذبذبون بين لقب" عادي" و"سوبر" فهم يفترض أن يكونوا من نفس الجلدة ويتكلمون بنفس اللسان، لكن بعضهم يصنف بـ"عاديين"، ويتم ضربهم كباقي الشعب كما حدث مع القضاة عام 2006 بعد تظاهرات اعترضوا فيها على تزوير الانتخابات التشريعية عام 2005، وطالبوا باستقلال القضاء، كذلك تمت إحالة بعض القضاة للصلاحية والتفتيش بسبب مواقف سياسية في أعقاب مظاهرات 30 يونيو/حزيران 2013، في الوقت الذي صدر فيه قرار مؤخراً بحظر النشر في قضايا فساد ورشى متهم بها عدد من القضاة.

لذلك لو كانت والدة ريجيني على دراية بالواقع المصري لكانت أكثر دقة ولقالت: "قتلوه كما لو كان مصرياً عادياً".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.